نظرة شاملة لآراء المتنبي الشعرية
نال الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي شهرة واسعة بفضل الآراء العميقة التي ضمنها أشعاره، والتي استوحاها من التجارب التي مر بها في حياته. كما استمد جانباً من حكمته من خلال تعمقه في دراسة الفلسفة، مما جعل آراءه بمثابة أمثلة يحتذى بها، وتعكس مدى فهم المتنبي للحياة. تميزت هذه الآراء بمطابقتها للواقع الذي عاشه المتنبي، وكانت بعيدة عن التقليد أو التصنع؛ إذ كان يسجل ما يجول في خاطره، وما خبره من أحداث. كان شعر المتنبي ثرياً بالآراء، سواء في الوصف، أو الرثاء، أو المدح، أو الهجاء، أو الفخر.
لقد اتسم المتنبي بالعبقرية، والعمق الإنساني، والفصاحة، ورقة الحس، إضافة إلى اعتزازه الكبير بنفسه، وهويته العربية والإسلامية. كان شعره مرآة تعكس هذه الشخصية، وقدرته الفائقة على فهم الإنسان وأحواله، والقدرة العالية على التعبير عن مشاعره وأفكاره. لم يكن هذا نتيجة لتجربة شاعر عاش خمسين عاماً فقط، بل كان أيضاً نتيجة لاطلاعه الواسع وإدراكه لثقافة عصره.
يتفق الأدباء في العصور القديمة والحديثة على أن المتنبي كان من أبرز شعراء العرب تميزاً في تضمين الآراء العميقة في شعره، وأكثرهم إبداعاً فيها. ومع ذلك، يعتبر بعض دارسي الشعر الآراء عنده لوناً شعرياً قائماً بذاته، وهذا يستدعي التوضيح؛ لأن الأغراض الشعرية الأساسية هي المدح والهجاء والرثاء، وتستخدم الطرق الفنية لإيجاد أساس لهذه الأغراض، مثل أبيات الغزل في بداية القصيدة، ثم الوصف والآراء العميقة. والدليل على ذلك هو قلة قصائد الوصف والغزل، بينما لا توجد قصيدة مستقلة مخصصة للآراء العميقة وحدها.
من المعروف أن الآراء العميقة عند المتنبي تظهر في معظم قصائده وليس كلها، وغالباً ما تأتي لتأكيد معنى أو دعم قضية. يلاحظ من يتابع أشعار المتنبي قلة الآراء العميقة في بداية حياته، وإن وجدت فهي تتسم بالبساطة، ويعود السبب إلى الحياة البدوية التي عاشها في فترة صباه. لكن عندما انتقل إلى حلب، توفرت له فرصة الاطلاع على تراث الحضارات الأخرى، مما أدى إلى ظهور شكل آخر من الآراء العميقة أكثر تنوعاً وعمقاً.
المصادر التي استقى منها المتنبي آراءه
اكتسب المتنبي شهرة واسعة لم يحظ بها غيره من الشعراء، وبلغت هذه الشهرة في حياته آفاقاً جعلت منه محط اهتمام الأدباء والنقاد. ساهمت الأغراض الشعرية المتعددة التي تناولها، والعمق في المعاني والأفكار، والصياغة الفنية في هذا الانتشار. إلا أن المتعمق في شعر المتنبي يجد أن العامل الأساسي لهذا الانتشار هو الآراء العميقة التي ضمنها شعره، والتي أصبحت أمثلة وأقوالاً تتردد على ألسنة الناس. وهذا يقودنا إلى معرفة مصادر هذه الآراء ومنها:
امتلاك المتنبي لقدرات عقلية مميزة تجسدت في الموهبة التي كان يتمتع بها في نظم الشعر مبكراً، إضافة إلى الذكاء الحاد والذاكرة القوية والفكر المستنير وسرعة البديهة. زد على ذلك حبه للعلم وسعيه في طلبه؛ فكل هذه الميزات جعلته مؤهلاً لفهم فلسفة الحياة.
تنقله بين بادية الشام والعراق في بداية شبابه بعد تركه للكوفة ملازماً لوالده. كان لحياة البادية الأثر البالغ في ولعه باللغة وتمكنه من معرفة ألفاظها ومعانيها، واستمر هذا التأثر معه طوال حياته، وظهر في الكثير من شعره.
التجارب الإنسانية الصادقة التي عاشها وما مر به من أحداث. كان يستخلص العبر والمواعظ من هذه التجارب ويصوغها على شكل آراء عميقة في شعره.
الثورة الفكرية والعلمية واللغوية التي عاصرها المتنبي في القرن الرابع الهجري؛ فقد انتشر في هذه الفترة امتلاك الكتب والمصنفات، وتوسعت المكتبات، وظهر الكثير من الأدباء والمفكرين والفلاسفة والشعراء منهم: الخليل بن أحمد، والفارابي، وإخوان الصفا، والبيروني، وابن سينا، والفيلسوف الكندي. كان لهذه الحركة الفكرية الأثر الكبير في شعر المتنبي كيف لا وهو من أكثر الشعراء طموحاً وتجدداً.
نبذة عن حياة أبي الطيب المتنبي
يعتبر المتنبي قامة شعرية شامخة في الأدب العربي؛ تمكن بموهبته أن يخلد اسمه على مر التاريخ؛ لتميز شعره ونظمه في كافة الأغراض الشعرية. كان شعره انعكاساً حقيقياً للتجارب التي عاشها حتى أصبح مثالاً يحتذى به في تدوين الشعر؛ لشموليته وتميزه وذوقه الخاص. كان المتنبي طموحاً معتداً بنفسه وبشعره سعى لتغيير ما كان عليه من حال، فاتخذ من الشعر وسيلة ليصل إلى ما كان يصبو إليه، ولكنه قتل قبل أن يبلغ مبتغاه، ورغم فشله في تحقيق طموحه إلا أنه تمكن من تخليد اسمه وشعره على مر الزمان.
السمات البارزة في شعر المتنبي
اتسم شعر المتنبي بخصائص عديدة، نجملها فيما يلي:
حرص المتنبي على اختيار المفردات المناسبة لأغراض شعره؛ ففي الرثاء والمدح يستخدم ألفاظ يرفع بها من منزلة الممدوح أو المرثي، وفي الهجاء يقلل من شأن المهجو، أما في الفخر فكانت ألفاظه تعكس نفسه المتعالية، وتمثل حالة الحب التي يعيشها في الغزل.
صياغة الجمل بشكل سهل بالغ التأثير بحيث تترك الأثر الكبير في نفس السامع.
الإكثار من الصور الفنية التي عكست ما بنفسه وخياله، وأظهرت الكثير من عبقريته.
الحرص على استخدام الطباق بهدف تثبيت المعنى وتأكيده في ذهن المتلقي.
العناية بالجناس والتكرار اضافة إلى الوزن والقافية بما يتناسب مع حالة الشاعر.
وضوح النزعة الذاتية للمتنبي في كافة قصائده وموضوعات شعره.
احتواء القصائد على آراء إنسانية عميقة تتلاءم مع كل عصر.
الظهور الساطع للقيم الجمالية في شعره؛ كانت من الدلائل الواضحة لخلود شعره على مر الزمان.
المراجع
- هدى معروف (2016-2017)،ديوان المتنبي دراسة جمالية، الجزائر: جامعة العربي بن مهيدي – ام البواقي – كلية الآداب واللغات – قسم اللغة والأدب العربي ، صفحة 88. بتصرّف.
- أبأ.د. حامد طاهر (2014-2016)،الحكمة في شعر المتنبي، صفحة 2-3. بتصرّف.
- شلوف حسين (2005-2006)،شعر الحكمة عند المتنبي بين النزعة العقلية والمتطلبات الفنية، الجزائر: جامعة الإخوة منتوري – قسنطينة- كلية الآداب والعلوم- قسم اللغة العربية، صفحة 82-88. بتصرّف.
- هدى معروف (2016- 2017)،ديوان المتنبي دراسة جمالية، الجزائر: جامعة العربي بن مهيدي- أم البواقي- كلية الآداب واللغات- قسم اللغة والأدب العربي ، صفحة 6. بتصرّف.
- هدى معروف (2016-2017)،ديوان المتنبي دراسة جمالية، الجزائر : جامعة العربي بن مهيدي- أم البواقي- كلية الآداب واللغات- قسم اللغة والأدب العربي ، صفحة 94. بتصرّف.








