وجهات نظر حول الموسيقى في الشريعة الإسلامية

تحليل لآراء العلماء حول الموسيقى: المحرم منها باتفاق، والمباح منها باتفاق، والخلاف الواقع فيه. مع ذكر الأدلة من القرآن والسنة وأقوال الصحابة.

الموسيقى المحرمة بالإجماع

أجمع علماء المسلمين على تحريم الموسيقى إذا ارتبطت بمحرمات أخرى. ومن أمثلة هذه المحرمات: الكلمات التي تدعو إلى الفحشاء والرذيلة، والمشاهد التي تثير الغرائز وتخدش الحياء والأدب. وقد استدل العلماء على ذلك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يجمع بين الخمر والمعازف، حيث قال:

«لَيَكونَنَّ مِن أُمَّتي أقْوامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَرِيرَ، والخَمْرَ والمَعازِفَ».

ففي هذا الحديث، جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين أمور محرمة، مما يدل على أن الموسيقى التي تصاحب هذه المحرمات تكون محرمة أيضاً.

الموسيقى المباحة بالإجماع

مع أن الحديث السابق يشير إلى تحريم عموم المعازف، إلا أن هناك استثناءات دلت عليها الشريعة الإسلامية. من هذه الاستثناءات:

الطبول

أجاز بعض العلماء استخدام الطبل ذي الوجهين، خاصة إذا كان يستخدم في إعلان الحرب أو للإشارة إلى وصول القوافل الكبيرة. وقد استندوا في ذلك إلى قياسه على الدف، الذي يخلو من الطرب واللهو المحرم.

الدفوف

الدف هو الطار أو الغربال المغطى بالجلد من جهة واحدة. وقد اتفق العلماء على جواز استخدامه في حفلات الزواج والأعراس. وقد استدلوا على ذلك بما ورد عن الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها، حيث قالت:

«جَاءَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ علَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا، يَضْرِبْنَ بالدُّفِّ ويَنْدُبْنَ مَن قُتِلَ مِن آبَائِي يَومَ بَدْرٍ، إذْ قالَتْ إحْدَاهُنَّ: وفينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ ما في غَدٍ، فَقالَ: دَعِي هذِه، وقُولِي بالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ».

ويكون استخدام الدف قبل العقد وبعده بفترة قصيرة. أما استخدامه في مناسبات الفرح الأخرى كالولادة والأعياد والشفاء، فقد أجازه بعض العلماء. استدلوا بما ورد عن بريدة بن حصيب الأسلمي رضي الله عنه، قال:

«خرجَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ في بعضِ مَغازيهِ، فلمَّا انصرفَ جاءت جاريةٌ سوداءُ، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ إنِّي كُنتُ نذرتُ إن ردَّكَ اللَّهُ سالمًا أن أضربَ بينَ يديكَ بالدُّفِّ وأتغنَّى، فقالَ لَها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: إن كنتِ نذَرتِ فاضربي وإلَّا فلا».

يجدر بالذكر أن جمهور العلماء يرون جواز الضرب على الدف للرجال والنساء على حد سواء. فالأصل في الأحكام الشرعية أن تشمل الجنسين، إلا إذا ورد دليل خاص بالتفريق بينهما. ثم إن الضرب على الدف ليس من الأمور التي تختص بها النساء، فلا يعتبر ضرب الرجال عليه تشبهاً بالنساء.

أنواع الموسيقى المختلف عليها

هناك اختلاف بين العلماء في حكم الموسيقى التي تصاحبها كلمات حسنة لا تدعو إلى الفحش، وإنما إلى الخير والفضيلة. وقد انقسم العلماء في هذه المسألة إلى رأيين:

الرأي الأول: التحريم المطلق

يرى أصحاب هذا الرأي حرمة الاستماع إلى جميع الآلات الموسيقية والمعازف، سواء كانت أوتاراً أو مزامير أو غير ذلك، حتى وإن كانت الكلمات المصاحبة لها حسنة. وقد نقل بعض العلماء الإجماع على هذا القول، مثل القرطبي وابن الصلاح وابن القيم والطبري وابن حجر الهيتمي. وقد استدلوا على ذلك بما يلي:

  • قول الله تعالى: «وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ». فقد فسر ابن جرير الطبري لفظ (بصوتك) بأنه كل صوت يدعو إلى معصية الله، ومن ذلك صوت الموسيقى والمزامير.
  • قول الله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ». وقد فسر بعضهم (لهو الحديث) بأنه المزامير والمعازف.
  • قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهَيتُ عن صَوتينِ أحمَقَينِ فاجرينِ: صوتٍ عندَ مصيبةِ خَمْشِ وجوهٍ، وشَقِّ جُيوبٍ، ورَنَّةِ شَيْطانٍ، وصوتٍ عندَ نَغَمةِ لعِبٍ ولَهْوٍ ومَزاميرِ شَيْطانٍ».
  • قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ حرمَ الخمرَ، والميسرَ، والكوبَةَ، وكلُّ مسْكِرٍ حرامٌ». وقيل إن الكوبة هي الطبل.
  • قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يشربُ ناسٌ من أمتي الخمرَ، يسمُّونها بغيرِ اسمِها، يُضرَبُ على رؤوسِهم بالمعازفِ والقَيْناتِ، يَخسِفُ اللهُ بهم الأرضَ، ويجعلُ اللهُ منهم القِرَدَةَ والخنازيرَ».
  • وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق: «لَيَكونَنَّ مِن أُمَّتي أقْوامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَرِيرَ، والخَمْرَ والمَعازِفَ».

الرأي الثاني: الجواز بشروط

يرى أصحاب هذا الرأي جواز الاستماع إلى الآلات الموسيقية والمعازف المختلفة إذا كانت مصحوبة بكلام حسن لا فحش فيه، ولم تكن مقترنة بأي محرمات أخرى. ومن القائلين بهذا الرأي عبد الغني النابلسي وابن حزم الظاهري. وقد استدلوا على ذلك بأفعال بعض الصحابة والتابعين، ومن ذلك:

  • أن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه كان يسمع الغناء من جواريه على الأوتار في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وروي مثل ذلك عن القاضي شريح وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والزهري والشعبي.
  • أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه كان له جواري يضربن على العود، فدخل عليه عبد الله بن عمر رضي الله عنه ورأى العود إلى جانبه فلم ينكر عليه.
  • ذكر الماوردي أن عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قد سمعا العود عند عبد الله بن جعفر رضي الله عنه.
  • ذكر الأصبهاني أن حسان بن ثابت رضي الله عنه قد سمع شعره وهو يغنى بالعود.

المصادر والمراجع

  • الغناء والموسيقى حلال أم حرام، أبومحمد عمارة، دار نهضة مصر، القاهرة، 1999م، ص 43-44.
  • صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، عن أبي مالك الأشعري، حديث رقم 5590.
  • الموسوعة الفقهية الكويتية، مجموعة من المؤلفين، دار الصفوة، مصر، الطبعة الأولى، ج 38، ص 169-171، 178.
  • صحيح الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي، حديث رقم 3690.
  • الغناء والمعازف في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة – رضي الله عنهم، سعيد القحطاني، مطبعة سفير، الرياض، ص 11-13، 22.
  • الحلال والحرام في الإسلام، يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الثانية والعشرون، 1997م، ص 261-264.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

ضوابط رد الفعل بالمثل في الشريعة الإسلامية

المقال التالي

النجاح: مفاتيح وتحفيزات

مقالات مشابهة

يسر الإسلام في العبادات: رحمة الله وسهولة التطبيق

تُظهر عبادة الإسلام رحمة الله ويسره على عباده، حيث تُركز على التوازن والاعتدال، وتُخفف عنهم الأعباء. هذا المقال يستعرض مفهوم يسر الدين في الإسلام، ويدلل على ذلك بأمثلة من العبادات مثل الصلاة والصوم والزكاة، بالإضافة إلى مفهوم الرخص في الإسلام.
إقرأ المزيد