هل أنت من الذين يسعون جاهدين للحصول على ثماني ساعات متواصلة من النوم كل ليلة؟ لا تقلق، لست وحدك. يُعد هذا المعتقد الشائع بمثابة قاعدة ذهبية للصحة الجيدة، ويشعر الكثير منا بالقلق والتوتر عندما يستيقظون في منتصف الليل. لكن ماذا لو قلنا لك إن فكرة النوم المتواصل هذه قد لا تكون طبيعية تمامًا كما تظن؟
في الحقيقة، يشير البحث التاريخي والعلمي إلى أن أنماط نوم البشر كانت مختلفة تمامًا في الماضي. انضم إلينا في رحلة استكشاف مدهشة لكشف الحقيقة وراء هذا المعتقد الشائع، وكيف تطورت عادات نومنا عبر القرون، ولماذا قد لا يكون الاستيقاظ الليلي بالضرورة علامة على الأرق.
- أصل معتقد “8 ساعات من النوم المتواصل”
- اكتشاف النوم ثنائي الطور: كيف كان ينام أسلافنا؟
- كيف تغيرت أنماط نوم البشر عبر التاريخ؟
- هل الاستيقاظ الليلي مشكلة حديثة؟
- كيف نتعامل مع الاستيقاظ في منتصف الليل؟
أصل معتقد “8 ساعات من النوم المتواصل”
في بداية التسعينات من القرن الماضي، أجرى الطبيب النفسي الدكتور توماس وير تجربة مثيرة للاهتمام لفحص عادات النوم. كانت هذه التجربة تهدف إلى فهم كيفية تكيف أجسادنا مع ساعات الظلام الطويلة.
تجربة الدكتور توماس وير وأثرها
في هذه الدراسة، أمضى المشاركون 14 ساعة يوميًا في ظلام دامس لمدة شهر كامل. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى تأقلمت أجسادهم مع هذه الظروف. أظهرت النتائج نمطًا مشابهًا بشكل لافت: نام المشاركون لمدة 4 ساعات متواصلة، ثم استيقظوا لمدة ساعتين، ثم عادوا للنوم لمدة 4 ساعات أخرى. هذا النمط، الذي أثار إعجاب زملاء الدكتور وير، رسخ فكرة أن البشر يجب أن يناموا 8 ساعات متواصلة في وعي المجتمع.
اكتشاف النوم ثنائي الطور: كيف كان ينام أسلافنا؟
في عام 2001، نشر المؤرخ روجر أكريخ من جامعة فيرجينيا تك مقالًا استند إلى 16 عامًا من الأبحاث المكثفة. توصل أكريخ إلى نتائج تدعم فكرة أن نوم البشر كان مقسمًا إلى مقطعين: النوم الأولي والنوم الثانوي. لم يكن هذا مجرد نظرية، بل حقيقة مدعومة بأدلة دامغة.
الأدلة التاريخية على النوم المجزأ
استُخلصت هذه المعلومات من أكثر من 500 مرجع تاريخي، بما في ذلك اليوميات الشخصية، بروتوكولات المحاكم، والكتب الطبية القديمة. أظهرت هذه البراهين أن البشر في الماضي كانوا ينامون “النوم الأول” بعد حوالي ساعتين من غروب الشمس، يليه ساعة أو ساعتان من اليقظة، ثم يعودون إلى “النوم الثاني”. يؤكد المؤرخون أن هذا النمط كان روتينيًا تمامًا، وقد دعمته كتب الصلوات التي تعود للقرن الخامس عشر والتي تضمنت صلوات مخصصة لأوقات الاستيقاظ الليلية.
لم تكن هذه الفترة بين نومتي الليل مجرد وقت ضائع، بل كانت تُعتبر مقدسة. كان الناس يستغلونها للكتابة، الصلاة، قضاء الوقت مع العائلة، أو حتى ممارسة الجنس. على سبيل المثال، يشير كتاب إرشادي لطبيب من القرن السادس عشر إلى أن الوقت الأمثل للإخصاب لم يكن في نهاية يوم طويل ومرهق، بل بعد الانتهاء من مقطع النوم الأولي.
كيف تغيرت أنماط نوم البشر عبر التاريخ؟
بدأت الشهادات حول النوم الأولي بالاختفاء تدريجيًا في القرن السابع عشر، خاصة بين سكان المدن والطبقة الوسطى في شمال أوروبا. على مدى المئتي عام التالية، انتشر هذا التغيير في جميع أنحاء المجتمع الغربي. بحلول عشرينيات القرن الماضي، اختفت تمامًا مفاهيم النوم الأولي والثانوي من الوعي الثقافي.
تأثير الإضاءة الاصطناعية والثورة الصناعية
يرجح المؤرخون أن السبب الرئيسي وراء هذا التحول يعود إلى انتشار إنارة الشوارع. قبل إنارة الشوارع، كانت المدن مظلمة تمامًا بعد غروب الشمس، مما لم يترك للناس خيارًا سوى قضاء وقتهم في المنازل، غالبًا في الظلام، ما لم يملكوا شموعًا لإضاءة مساحاتهم. في عام 1667، بدأت باريس في استخدام إنارة الشوارع، تلتها لندن ومدن أخرى. مع توفر الإضاءة، أصبح قضاء ساعات الليل في نوم مجزأ يُنظر إليه على أنه مضيعة للوقت لكثيرين. هذا المنهج الجديد لإدارة ساعات الليل تسرب إلى جميع الطبقات الاجتماعية، ليصبح النوم المتواصل هو العادة المتبعة.
علاوة على ذلك، أثرت عوامل أخرى مثل الاضطهاد الديني والثورة الصناعية على أنماط النوم، وجعلت من النوم المنفصل عادة غير مرغوب فيها أو غير عملية. حتى أن مجلة طبية صدرت عام 1829 قدمت نصائح للآباء حول كيفية “فطام” أطفالهم من عادة النوم المنفصل، مما يدل على مدى ترسخ فكرة النوم المتواصل.
هل الاستيقاظ الليلي مشكلة حديثة؟
يعتقد المؤرخ أكريخ أن مشاكل النوم والأرق التي يعاني منها بعض الناس اليوم، قد تكون نابعة من هذه العادة القديمة التي كان جسدنا يقسم النوم خلالها إلى قسمين، بالإضافة إلى الوجود المستمر للأضواء الاصطناعية في بيئتنا. تدعم هذه الفرضية الشكاوى المتزايدة حول الأرق والنوم المتقطع التي ظهرت في القرن التاسع عشر، أي تقريبًا في الوقت الذي بدأت فيه عادة النوم المنفصل بالاختفاء.
يؤيد العديد من الأطباء النفسيين المتخصصين في النوم هذه الفرضية. فهم يرون أن هذه الظاهرة تشبه معضلة “الدجاجة والبيضة”. عندما يستيقظ البشر في الليل ويجدون صعوبة في العودة إلى النوم، يصابون بالتوتر والقلق بسبب عدم قدرتهم على النوم مرة أخرى. وكما نعلم، يُعد الضغط والتوتر من المسببات الرئيسية للأرق، مما يخلق حلقة مفرغة.
كيف نتعامل مع الاستيقاظ في منتصف الليل؟
يتفق عدد كبير من الأطباء النفسيين والخبراء على أن عادة النوم المنفصل القديمة تحمل في طياتها الكثير من الحلول. فبين البيانات التي وجدت في النصوص القديمة، يتضح أن الناس كانوا يسردون أحلامهم التي رأوها في المقطع الأولي من النوم، ويتحدثون مع أزواجهم أو أسرهم، وبشكل عام يستلقون بشكل مريح وهادئ.
في نمط حياتنا الحديثة المليء بالانشغالات، غالبًا ما نعود من يوم طويل ومتعب والرغبة في النوم العميق المتواصل هي جل هدفنا. هذا الإيقاع السريع أدى إلى اختفاء عادة التأمل الهادئ في السرير.
لذا، حتى وإن استيقظت خلال الليل، لا تحاول أن تجبر نفسك على النوم. فكر في أسلافنا وفي نمط نومهم المنفصل. جرب ما فعلوه: استلقِ على السرير (ليس ضروريًا أن تكون عيناك مغلقتين)، فكر في اليوم الذي مر عليك، أو في حلم راودك. اسمح لعقلك وجسدك بالاسترخاء ببطء ووفق وتيرتهما الخاصة. ستلاحظ بعد وقت قصير أنك ستدخل في مقطع النوم الثانوي بشكل طبيعي، ودون أي توتر.
في نهاية المطاف، قد لا يكون الاستيقاظ في منتصف الليل علامة على “اضطراب” في النوم، بل قد يكون مجرد صدى لأنماط نومنا الطبيعية التي تغيرت بفعل التطور الاجتماعي والتكنولوجي. فهم هذا التاريخ يمكن أن يساعدنا على التخفيف من قلقنا تجاه النوم وتقبل إيقاعات أجسادنا الفريدة.








