ربما تفاجئك معرفة أن الدول العربية كانت من بين آخر المناطق في العالم التي تبنت قوانين صارمة لحظر التدخين في الأماكن العامة. بينما بدأت دول مثل نيوزيلندا وأيرلندا في تطبيق هذه الإجراءات قبل أكثر من عقدين، لحقت بعض الدول العربية بهذا الركب على استحياء. ولكن هل نجحت هذه القوانين بالفعل في تقليل أعداد المدخنين، أم أن تأثيرها الحقيقي يكمن في شيء آخر؟
جدول المحتويات
- لماذا تُفرض قوانين منع التدخين في الأماكن العامة؟
- التدخين السلبي: خطر صامت يهدد الجميع
- الدول العربية: رحلة متأخرة نحو حظر التدخين
- تحديات التطبيق في المدن الكبرى
- دراسة حالة: جهود السعودية لمكافحة التدخين
- الوعي العام: الإنجاز الحقيقي لقوانين المنع
- الخاتمة
لماذا تُفرض قوانين منع التدخين في الأماكن العامة؟
تستند أسباب فرض قوانين منع التدخين على حقيقة بسيطة ولكنها عميقة: التدخين عملية اختيارية، بينما التنفس ليس كذلك. لهذا، لا تهدف هذه القوانين بالأساس إلى إجبار المدخن على الإقلاع عن عادته، بل إلى حماية الأفراد الذين لا يدخنون ويُعرفون بـ المدخنين السلبيين.
إن استنشاق دخان السجائر في الأماكن العامة يخلق مشكلة صحية خطيرة لهؤلاء الأفراد. تعمل القوانين على توفير بيئة صحية ونظيفة للجميع، بعيداً عن الدخان الضار الذي يمكن أن يستنشقوه قسراً.
التدخين السلبي: خطر صامت يهدد الجميع
يواجه المدخنون السلبيون مخاطر صحية جسيمة عند تعرضهم لدخان التبغ. يزيد استنشاق الهواء الملوث بدخان السجائر من فرص الإصابة بأمراض القلب، وأنواع مختلفة من السرطان، والانتفاخ الرئوي، إلى جانب العديد من الأمراض الأخرى.
يصبح الهواء المشبع بالغازات الضارة المنبعثة من السجائر بمثابة سراديب مغلقة تضر بصحة كل من يتنفسها، بغض النظر عن اختياره الشخصي للتدخين من عدمه.
الدول العربية: رحلة متأخرة نحو حظر التدخين
بعد أكثر من عقد على بدء تطبيق قوانين منع التدخين عالمياً، والتي انطلقت من نيوزيلندا في عام 2003 ثم أيرلندا في عام 2004، بدأت بعض الدول العربية في اللحاق بهذا التوجه. كان لبنان، الذي يُعد تقليدياً جنة للمدخنين في العالم العربي والعالم ككل، من آخر الدول التي فرضت هذه القوانين.
شملت قائمة الدول العربية التي تبنت حظر التدخين في الدوائر الحكومية والأماكن العامة: مصر (في عام 2007)، السعودية، الأردن، سوريا، دولة الإمارات العربية المتحدة، مملكة البحرين، سلطنة عُمان، قطر، الكويت، والجمهورية اليمنية، بالإضافة إلى لبنان.
تحديات التطبيق في المدن الكبرى
رغم وجود القوانين، تظل فعالية تطبيقها تحدياً كبيراً، خاصة في المدن الكبرى والمكتظة بالسكان. ففي مدينة ضخمة ومزدحمة مثل القاهرة، قد يُحظر التدخين في الدوائر الحكومية والفنادق الفاخرة، ولكن قد لا يتم تطبيق القانون بالصرامة نفسها في الشركات والمكاتب الخاصة أو المطاعم الشعبية.
علاوة على ذلك، فإن التدخين في الشارع العام أو في المقاهي الخارجية لا يزيل الخطر بالكامل عن مستنشقي دخان التبغ المحروق. فالتدافع والتلاصق في ساعات الذروة، أو في الطوابير الطويلة أمام المرافق العامة والخاصة، حيث يمسك البعض بسيجارتهم المشتعلة بلا اكتراث، يخلق بيئة مليئة بالدخان الضار للمدخنين السلبيين.
دراسة حالة: جهود السعودية لمكافحة التدخين
في عام 2012، اتخذت السلطات السعودية قراراً مهماً بمنع التدخين في الأماكن العامة، المطاعم، المقاهي، الأسواق المغلقة، والوزارات والمصالح الحكومية والمؤسسات العامة. كما شدد القرار على منع بيع التبغ لمن هم دون الثامنة عشرة لأي سبب كان، وتم إبلاغ الجهات المعنية باتخاذ الإجراءات اللازمة.
تكشف الإحصائيات التي سبقت قرار المنع حجم التحدي: في عام 2012، تجاوز حجم سوق التبغ في السعودية 1.4 مليار ريال. احتلت المملكة المرتبة الرابعة عالمياً في استيراد التبغ، والمركز 19 من حيث ارتفاع معدلات نمو سوق التبغ. بلغ عدد المدخنين في السعودية، التي كان تعداد سكانها حوالي 16 مليون نسمة آنذاك، أكثر من ستة ملايين مدخن، ينفقون حوالي ثلاثين مليون ريال يومياً. شهدت السوق السعودية تزايداً في مبيعات التبغ خلال السنوات التي سبقت الحظر، حيث بلغت الواردات أكثر من 1.49 مليار ريال.
يبقى السؤال: هل انخفضت بالفعل نسب استيراد التبغ وبيع السجائر وأعداد المدخنين في الدول التي طبقت قوانين المنع، أم أن المدخنين اكتفوا فقط بنقل أماكن تدخينهم من المكاتب إلى خارجها ومن المولات إلى الشوارع والمقاهي الأقل رقابة؟
الوعي العام: الإنجاز الحقيقي لقوانين المنع
حتى لو لم تؤثر قوانين منع التدخين جذرياً على خفض مستوى التدخين وعدد المدخنين في المدى القريب، وحتى لو لم نلحظ تغييراً رقمياً فورياً، فإن الأثر الحقيقي لهذه القوانين يكمن في تغيير مستوى الوعي العام بمضار التدخين وتداعياته القاتلة. إنها تحدث تحولاً ثقافياً واجتماعياً تدريجياً.
على سبيل المثال، مشهد قديم في فيلم يظهر فيه طبيب يجري عملية جراحية وهو ممسك بسيجارة مشتعلة، كان يبدو طبيعياً قبل عقود. أما اليوم، فمثل هذا المشهد قد يُنظر إليه على أنه كوميدي أو طريف، ويمكن مشاركته عبر شبكات التواصل الاجتماعي للتندر. هذا التغيير في Perception هو دليل على ارتفاع الوعي وتغير المعايير الاجتماعية تجاه التدخين.
الخاتمة
بينما كانت الدول العربية متأخرة في تطبيق حظر التدخين بالأماكن العامة، فإن هذه القوانين تمثل خطوة حاسمة نحو حماية الصحة العامة، خاصة المدخنين السلبيين. ورغم التحديات في تطبيقها ورصد تأثيرها المباشر على أعداد المدخنين، إلا أنها تساهم بشكل فعال في رفع مستوى الوعي المجتمعي بمخاطر التدخين وتداعياته الخطيرة. إن هذا التحول في الوعي يمثل الإنجاز الأهم، فهو يمهد الطريق لثقافة مجتمعية صحية تخلو من الدخان في الأماكن العامة، تدريجياً ولكن بثبات.








