هل العادات الصحية وحدها تضمن حياة طويلة؟ نظرة علمية مفاجئة على الجينات والمعمرين

لطالما اعتقدنا أن السر وراء الحياة الطويلة يكمن في التزامنا الصارم بالعادات الصحية: ممارسة الرياضة بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن، وتجنب التدخين. لكن ماذا لو أخبرتك دراسة حديثة أن الصورة ليست بهذه البساطة؟ اكتشف بحث جديد أن الجينات الجيدة قد تلعب دورًا حاسمًا في منح حياة مديدة، حتى لأولئك الذين قد لا يلتزمون بالنمط الصحي المتوقع.

هذا المقال يستعرض نتائج دراسة أثارت الجدل، تكشف أن المعمرين (من يعيشون حتى سن الـ 95 وما فوق) قد لا تكون عاداتهم الصحية أفضل بالضرورة من عامة الناس. هل هذا يعني أن بإمكاننا التخلي عن عاداتنا الصحية؟ دعنا نتعمق في التفاصيل.

هل العادات الصحية وحدها تحدد طول العمر؟ دراسة مفاجئة تكشف الحقيقة

في تحدٍ للاعتقاد السائد، أشارت دراسة حديثة إلى أن كبار السن الذين يعيشون لسن الـ 95 وما بعدها لا يتبعون بالضرورة عادات صحية أفضل من عامة الناس. وقد شملت هذه العادات الحفاظ على الوزن المثالي، التغذية السليمة، وممارسة النشاط البدني.

وفقًا للباحث نير برزيلاي، مدير معهد دراسات الشيخوخة في جامعة يشيفا بنيويورك، فإن المعمرين لا يحافظون على صحتهم بشكل أكبر من بقية السكان. هذا يشير إلى أن عوامل أخرى، ربما جينية، تلعب دورًا محوريًا في حمايتهم من تأثير العادات الأقل صحية.

يبدو أن بعض الأفراد قد يمتلكون “جينات العمر الطويل” التي تمنحهم حماية استثنائية. هذه الجينات قد تسمح لهم بتناول الأطعمة المقلية أو الآيس كريم أو حتى التدخين مع القدرة على الوصول لسنوات متقدمة جدًا. ومع ذلك، لا يمكننا معرفة ما إذا كنا نملك هذه الجينات إلا إذا وصلنا إلى تلك الأعمار المتقدمة، لذلك لا يجب استخدام هذه النتائج كذريعة لإهمال العادات الصحية.

تفاصيل الدراسة: نظرة معمقة على عادات المعمرين

منهجية البحث وعينته

استندت الدراسة على مقابلات أجريت مع 477 معمرًا، جميعهم يعيشون بشكل مستقل وتتراوح أعمارهم بين 95 و 109 سنوات، بمتوسط عمر يبلغ 97 أو 98 عامًا. وكانت الغالبية العظمى من المشاركين (حوالي 75%) من النساء.

تم اختيار هذه المجموعة لتجانسها الوراثي النسبي، مما جعلها مثالية للبحث في عوامل طول العمر. وصف المشاركون عاداتهم الصحية في سن السبعين، وافترض الباحثون أن هذه العادات تمثل نمط حياتهم لمعظم فترة البلوغ.

قورنت العادات الصحية لهذه المجموعة بمجموعة مرجعية ضمت 3164 شخصًا من أعمار مماثلة، تم جمع بياناتهم من المسح الصحي والتغذوي الوطني في الولايات المتحدة بين عامي 1971 و 1974.

نتائج مفاجئة حول الوزن والنشاط البدني

على الرغم من التوقعات، لم تظهر فروق ذات دلالة إحصائية كبيرة في العادات الصحية بين المعمرين والمجموعة المرجعية. على سبيل المثال، كانت نسبة المعمرين الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة مقاربة لنسبتها في المجموعة المرجعية.

فعلى الرغم من أن 47.8% من الرجال المعمرين كانوا يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، كانت النسبة في المجموعة المرجعية 55%. وبالنسبة للنساء، عانت 43.8% من النساء المعمرات جدًا من زيادة الوزن أو السمنة، مقارنة بـ 41.2% في المجموعة المرجعية.

أما فيما يتعلق بالنشاط البدني، فقد مارس 43% فقط من الرجال المعمرين الأنشطة البدنية بانتظام، مقارنة بـ 57% من الرجال في المجموعة المرجعية. في المقابل، مارست 47% من النساء المعمرات النشاط البدني بانتظام، مقابل 44.1% من النساء في المجموعة المرجعية.

الكحول والتدخين: مقارنة العادات الضارة

أظهرت الدراسة أن استهلاك الكحول اليومي كان متماثلًا تقريبًا بين المجموعتين. كما أن نسبًا متساوية من الرجال والنساء في كلا المجموعتين ذكروا أنهم اتبعوا حميات غذائية منخفضة السعرات الحرارية في مراحل مختلفة من حياتهم.

وفيما يخص التدخين، ذكرت حوالي 30% من النساء المعمرات أنهن كن يدخنّ خلال حياتهن، مقارنة بـ 26.2% من النساء في المجموعة الضابطة. بين الرجال، قام ما يقرب من 60% من المعمرين بالتدخين خلال حياتهم، مقارنة بـ 75% من الرجال في المجموعة المرجعية.

ما يظنه المعمرون سببًا لطول أعمارهم

عند سؤال المشاركين عن رأيهم في سبب عيشهم حياة طويلة، وضع غالبية المستجوبين “جيناتهم الجيدة” في المرتبة الأولى. فقد نسب حوالي 35% من النساء المعمرات وأكثر من 25% من الرجال طول عمرهم لهذا العامل.

كما اعتقد المعمرون أن عوامل أخرى ساهمت في بقائهم على قيد الحياة لما بعد عيد ميلادهم الـ 95، وشملت: التغذية، النشاط البدني، التوجه الإيجابي، الدعم الاجتماعي أو العائلي، عدم التدخين، الحفاظ على نمط حياة مليء/نشط أو العمل، الحظ، الله/الدين/الروحانية، والتصدق على المحتاجين.

ومع ذلك، كانت بعض إجاباتهم تتناقض مع عاداتهم اليومية الفعلية. فكثير ممن صنفوا النظام الغذائي كعامل مهم كانوا يعانون عمليًا من زيادة الوزن أو السمنة المفرطة. وادعى أحدهم أن دهون الدواجن تضمن العيش لحياة طويلة، بينما قال آخر إنه كان يأكل الشوكولاتة ثلاث مرات يوميًا.

يبدو أن تفسير “الجينات الجيدة” هو الأكثر منطقية، خاصة وأن أكثر من ثلثي المشاركين لديهم تاريخ عائلي من طول العمر، مما يعزز الفرضية الجينية.

الجينات أم نمط الحياة؟ فهم العلاقة المعقدة

وفقًا للدراسة، قد تحمي العوامل الوراثية بعض الأفراد من تأثيرات أنماط الحياة الأقل صحية. يبدو أن طول العمر الاستثنائي غالبًا ما يكون وراثيًا، لكن المسألة ليست بهذه البساطة دائمًا. فالأسر لا تتشارك الجينات فحسب، بل تتشارك أيضًا في البيئة، ومستوى التعليم، والعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي قد تؤثر بدورها على الصحة.

لا يزال غير واضح ما هي النسبة المئوية من السكان التي تحمل الجينات المرتبطة بطول العمر. ومع ذلك، فقد عززت دراسات أخرى، مثل تلك التي أجريت على أفراد من طائفة السبتيين (Seventh Day Adventists) المعروفين بنمط حياتهم الصحي، الفرضية القائلة بأن العادات الغذائية الصحية يمكن أن تضيف ما يصل إلى ثماني سنوات إلى الحياة.

هذا يعني أن معظم الناس، بتركيبتهم الجينية العادية ونمط حياتهم الصحي، يمكنهم الوصول إلى سنوات الثمانينات المتأخرة. إذا كنت تطمح إلى تجاوز سن الثمانين، فإن امتلاك الجينات المناسبة قد يصبح عاملًا حاسمًا، إلى جانب الحفاظ على نمط حياة صحي.

الخلاصة: عادات صحية وجينات طويلة المدى

في الختام، بينما تظل العادات الصحية ركيزة أساسية لتعزيز الصحة والوقاية من الأمراض في مختلف مراحل الحياة، تكشف هذه الدراسة عن دور محتمل أقوى للجينات في حالات طول العمر الاستثنائي. لا تزال الجينات الغامضة التي تحمي البعض من تأثيرات أنماط الحياة الأقل صحية قيد البحث، لكن الواضح هو أن للحظ الجيني كلمته الفصل في الوصول لأبعد نقطة في شريط الحياة.

لذا، استمر في تبني عادات صحية، فهي استثمار مؤكد في جودة حياتك وصحتك العامة، ومع بعض الحظ الجيني، قد تفتح لك أبوابًا لحياة أطول وأكثر حيوية.

Exit mobile version