هل الزبادي يعالج حمى الكلا؟ اكتشف دور البروبيوتيك والأبحاث الحديثة

تُعد حمى الكلا (الحساسية الموسمية) إحدى المشكلات الصحية الشائعة التي تؤثر على الملايين حول العالم، مسببةً أعراضًا مزعجة مثل العطاس المتكرر، سيلان الأنف، وحكة العينين. يبحث الكثيرون عن حلول طبيعية ومكملات قد تساعد في تخفيف هذه المعاناة، وقد لفت الزبادي الغني بالبروبيوتيك الانتباه مؤخرًا كعامل محتمل للمساعدة.

فهل هناك أساس علمي لهذه الفكرة؟ كشفت الأبحاث الحديثة عن دور واعد للبروبيوتيك في التخفيف من بعض أعراض الحساسية الموسمية، رغم أن الدليل ليس قاطعًا بعد. دعونا نغوص في تفاصيل هذه الدراسات لنفهم العلاقة المحتملة بين الزبادي، البروبيوتيك، وعلاج حمى الكلا.

ما هي حمى الكلا؟

تصيب حمى الكلا، المعروفة طبيًا باسم التهاب الأنف التحسسي (Allergic Rhinitis)، واحدًا من كل خمسة أشخاص. تسبب هذه الحالة أعراضًا مزعجة تشمل العطاس المستمر، سيلان الأنف، والحكة في العينين.

تحدث هذه الاستجابة عندما يثير مهيج معين تفاعلًا مناعيًا في الأغشية المخاطية الأنفية. في معظم الأحيان، يكون الأشخاص حساسين لعوامل موسمية مثل غبار الطلع، وهو ما يعطيها اسمها الشائع “حمى الكلا”. ومع ذلك، قد تستمر الأعراض لدى البعض على مدار العام، وتعرف هذه الحالة باسم التهاب الأنف التحسسي الدائم.

وعد البروبيوتيك والزبادي

لقد تزايد الاهتمام بقدرة البروبيوتيك – وهي بكتيريا نافعة تعيش في الأمعاء – على تخفيف أعراض الحساسية. فمع تنوع فوائد الزبادي واكتشاف العلم المزيد منها باستمرار، طرحت تساؤلات حول دور الزبادي المحتوي على البروبيوتيك في علاج حمى الكلا.

بعض التقارير الإعلامية أشارت إلى أن البروبيوتيك قد يخفف العطاس وحكة العين. وقد وجد بحث جديد دليلاً أوليًا، وإن لم يكن قطعيًا، على أن البروبيوتيك يمكن أن يقلل من الأعراض التحسسية لدى بعض الأفراد.

البروبيوتيك والتهاب الأنف التحسسي: البحث العلمي

فحصت مراجعة منهجية 23 دراسة بحثت في تأثير مكملات البروبيوتيك على التهاب الأنف التحسسي. أظهرت هذه الدراسات تباينًا كبيرًا في تصميمها، الأشخاص المشاركين، أنواع البروبيوتيك المستخدمة، والنتائج المقاسة.

بينما وجدت معظم الدراسات فائدة في نتيجة واحدة على الأقل، لم تكتشف دراسات أخرى أي فائدة على الإطلاق. وقد خلص الباحثون إلى أن البروبيوتيك قد يكون له تأثير مفيد عند إضافته إلى علاجات أخرى لالتهاب الأنف التحسسي، لكنهم أكدوا على الحاجة لدراسات أكبر وأعلى جودة وذات قياسات معيارية لتأكيد هذه التأثيرات.

الغوص في تفاصيل الدراسة

مصدر الدراسة والنشر

أجرى هذه الدراسة باحثون من كلية الطب في ناشفيل، الولايات المتحدة الأمريكية، ونُشرت في المجلة الطبية المحكمة International Forum of Allergy and Rhinology. لم يذكر تمويل محدد للدراسة.

نقلت معظم وسائل الإعلام البريطانية النتائج بشكل واسع، مقترحةً أن الزبادي قد يكون علاجًا لأعراض حمى الكلا. ومع ذلك، من المهم التنويه إلى أن ليس كل أنواع الزبادي تحتوي على البروبيوتيك، ولم يكن واضحًا ما إذا كان المشاركون في هذه الدراسات يتناولون البروبيوتيك على شكل زبادي أو كبسولات.

فهم تصميم البحث

كانت الدراسة عبارة عن مراجعة منهجية شاملة، بحثت في الأدبيات العلمية لتحديد التجارب المضبوطة التي درست تأثيرات البروبيوتيك على التهاب الأنف التحسسي. تعتبر حمى الكلا أحد أنماط التهاب الأنف التحسسي، والتي يشير إليها المتخصصون بالتهاب الأنف التحسسي الموسمي.

تهدف هذه المراجعات المنهجية إلى معرفة ما إذا كانت مكملات البروبيوتيك قد ساعدت الأشخاص الذين يعانون من هذه الحالة. غالبًا ما تُعد المراجعات المنهجية للتجارب المضبوطة مصدرًا موثوقًا لإظهار ما إذا كانت العلاجات مفيدة، لكن جودتها تعتمد بشكل كلي على جودة الدراسات المشمولة فيها.

ما تضمنته الدراسة

بحث الباحثون عن التجارب المضبوطة التي تناولت تأثير البروبيوتيك على التهاب الأنف التحسسي، وجمعوا نتائج الدراسات التي استوفت معاييرهم. شملت المراجعة 23 دراسة، معظمها تجارب مزدوجة التعمية مضبوطة، وضمت 1919 مشاركًا.

تضمنت النتائج المقاسة استبيانات لضبط الأعراض، مثل استبيان نوعية الحياة مع التهاب الأنف (RQLQ)، الذي يقيس تأثير الأعراض على الأنشطة اليومية، وإجمالي الأعراض الكلية لالتهاب الأنف (RTSS). كما قامت بعض الدراسات بقياس مستويات الغلوبولين المناعي E (IgE) في الدم، وهو جسم مضاد مرتبط بالتفاعلات التحسسية.

النتائج الأساسية للمراجعة

وجدت المراجعة أن 17 دراسة من أصل 23 أظهرت تحسنًا مهمًا في واحدة على الأقل من النتائج المقاسة لدى الأشخاص الذين تناولوا البروبيوتيك. في المقابل، لم تظهر 6 دراسات أي فائدة من البروبيوتيك.

كانت نتائج التحليل اللاحق (meta-analysis) مختلطة. كان استبيان نوعية الحياة مع التهاب الأنف (RQLQ) هو المقياس الوحيد الذي أظهر تحسنًا واضحًا عند تناول البروبيوتيك. وعند دمج النتائج من أربع دراسات سمحت بالمقارنة المباشرة، لوحظ انخفاض متوسط قدره -2.23 نقطة مقارنة بالدواء الوهمي (placebo).

يذكر الباحثون أن انخفاضًا بمقدار 0.5 نقطة أو أكثر يعتبر ذا أهمية سريرية. ومع ذلك، لم يجد الباحثون فرقًا إحصائيًا مهمًا بين استخدام الدواء الوهمي والبروبيوتيك في نتائج RTSS أو نقاط IgE.

تفسير الباحثين لنتائجهم: الحذر ضروري

أبدى الباحثون حذرًا شديدًا في تفسير نتائجهم. فقد أشاروا إلى أن الاختلافات الكبيرة بين الدراسات، مثل الأنماط المختلفة للبروبيوتيك المستخدمة وأحجام مجموعات الدراسة المتنوعة، قد تكون مسؤولة جزئيًا عن التأثير الإيجابي الذي وجدوه على نوعية الحياة.

كما لاحظوا أن الدراسات الأقدم والأصغر حجمًا أظهرت تأثيرًا أكبر، بينما الدراسات الأكبر والأحدث لم تجد تأثيرًا يذكر أو كان تأثيرها ضئيلًا. وعلى الرغم من أن تحليلهم اللاحق يشير إلى قدرة البروبيوتيك على تعديل شدة المرض والأعراض ونوعية الحياة لدى مرضى التهاب الأنف التحسسي، إلا أنهم أكدوا أن الدليل ليس كافيًا للتوصية بالبروبيوتيك كعلاج مستقل لتحسين وضع المريض.

لماذا الأدلة ليست حاسمة (حتى الآن)؟

توضح هذه المراجعة بعض التحديات في الأبحاث المتعلقة بالبروبيوتيك والحساسية:

على الرغم من أن 17 دراسة من أصل 23 وجدت على الأقل نتيجة سريرية إيجابية واحدة، إلا أن هذا لم يترجم إلى نتائج مقنعة على جميع الأعراض عند دمج نتائج الدراسات. كانت النتائج المجمعة إيجابية على نوعية الحياة، حيث أن انخفاضًا بمقدار 2.23 نقطة في مقياس RQLQ يعتبر فرقًا ملحوظًا.

إذا لم يكن للبروبيوتيك تأثير مباشر على أعراض التهاب الأنف التحسسي، فمن المهم فهم الطرق التي قد يحسن بها نوعية حياة الأشخاص المصابين.

مقارنة بالعلاجات المعتمدة

تُعد حمى الكلا مشكلة شائعة، والعلاجات المتاحة لا تفيد الجميع. ورغم أن الدليل على التوصية بالبروبيوتيك كعلاج قوي ليس كافيًا بعد، إلا أن القليل من الأشخاص أبلغوا عن آثار جانبية خطيرة جراء تناوله. بعض الآثار الجانبية المبلغ عنها شملت الإسهال، ألم البطن، والغازات، لكن أعدادًا مشابهة ممن تناولوا الدواء الوهمي عانوا من نفس الآثار.

في المقابل، أثبتت علاجات أخرى لحمى الكلا، مثل الأدوية المضادة للهيستامين، فعاليتها لدى كثير من الأشخاص.

الخاتمة

لقد بحثت هذه المراجعة المنهجية في تأثير البروبيوتيك على التهاب الأنف التحسسي، بما في ذلك حمى الكلا. بشكل عام، تشير النتائج إلى أن تناول البروبيوتيك، سواء في الزبادي أو المكملات، قد يحسن نوعية الحياة لدى بعض الأشخاص الذين يعانون من التهاب الأنف التحسسي، مقارنة بالدواء الوهمي. ومع ذلك، لم تجد المراجعة تأثيرًا مباشرًا وقاطعًا على الأعراض العامة أو على مستويات الغلوبولين المناعي E في الدم.

تؤكد هذه الدراسة على الحاجة الماسة لمزيد من الأبحاث عالية الجودة لتحديد السلالات الفعالة، والجرعات المناسبة، وأفضل أشكال الاستهلاك، والفئات السكانية التي قد تستفيد أكثر من البروبيوتيك في علاج حمى الكلا. حتى ذلك الحين، يُعد الزبادي إضافة صحية لنظامك الغذائي، ولكنه ليس بديلاً للعلاجات الطبية المثبتة للحساسية.

Exit mobile version