مكانة شهر رمضان وعظمته
شهر رمضان هو أعظم الشهور وأفضلها عند الله سبحانه وتعالى، فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. في هذا الشهر تتجلى عبادة الصوم، التي تعتبر من أعظم العبادات التي تقربنا إلى الله وتعلمنا الصبر والتحمل وضبط النفس.
أسمى معاني الصيام وقيمته
الصيام هو أسمى تعبير عن الإرادة الحرة، فهو فعل إرادي محض يمتنع فيه الإنسان عن ملذاته وشهواته تقربًا إلى الله. لا توجد فريضة توسع الصدر وتقوي الإرادة وتزيل الهموم مثل فريضة الصيام، فهي تعلو بصاحبها إلى أعلى المنازل، فيكبر المرء في عين نفسه ويصغر كل شيء في عينه.
الصيام هو حالة من السمو الروحي لا يبلغها إلا من يتأمل في حكمة الله من وراء هذه الفريضة.
وقد قيل:
كم أناس أظهروا الزهد لنا في تجافوا عن حلال وحرام. فولوا الأكل وأبدوا ورعًا واجتهادًا في صيام وقيام ثم لما أمكنتهم فرصة أكلوا أكل الحزانى في الظلام.
رمضان: امتحان للإرادة وتطهير للنفس
شهر رمضان هو التحدي الأكبر لامتحان الإرادة البشرية في الصيام والقيام وعمل الخير وتنقية النفس من الأخطاء الكثيرة. إنه فرصة لإغلاق مدن الأحقاد وفتح أبواب الرحمة والمودة، لنرحم القريب ونود البعيد ونزرع المساحات البيضاء في حنايانا ونتخلص من المساحات السوداء داخلنا.
لنجعل رمضان شهرًا ربانيًا لا رمضانيًا فقط، ونجعل له فينا أثرًا يبقى بعد انتهائه ويستمر معنا لعام قادم. بنسيم الرحمة وعبير المغفرة، نهنئ أنفسنا بقدوم شهر العتق من النار، شهر الخير الذي يمثل صفحة جديدة من حياتنا.
الاستقبال الأمثل لرمضان والتهيؤ له
نداء يدرك المسلم دلالاته، فيثير في نفسه الأشجان والحنين إلى خير الشهور وأفضل الأزمنة، فيعد المسلم نفسه للشهر الكريم ويخطط له خير تخطيط. فكيف يكون الاستقبال الأمثل للشهر؟ وكيف تكون التهيئة المناسبة لقدوم الشهر؟ وهل لنا أن نحافظ على شهرنا من عبث العابثين وحقد الحاقدين وغفلة الغافلين؟ لنبدأ معًا خطوات صغيرة بسيطة نصل بها إلى رمضان.
الاجتهاد في الدعاء والذكر من أقوى صور الإعانة على التهيئة الإيمانية والروحية، والإكثار من الذكر، وارتع في رياض الجنة على الأرض، ولا تنس المأثورات صباحًا ومساءً، وأذكار اليوم والليلة، وذكر الله على كل حال.
تحقيق المعايشة الكاملة للقرآن الكريم
العيش في رحاب القرآن الكريم والتهيئة لتحقيق المعايشة الكاملة في رمضان، وذلك من خلال تجاوز حد التلاوة في شعبان لأكثر من جزء في اليوم والليلة، مع وجود جلسات تدبر ومعايشة للقرآن.
تجربة حلاوة قيام الليل والمناجاة
تذوَّق حلاوة قيام الليل من الآن وذلك بقيام ركعتين كل ليلة بعد صلاة العشاء وتذوَّق حلاوة التهجد والمناجاة في وقت السحر بصلاة ركعتين قبل الفجر مرةً واحدةً في الأسبوع على الأقل.
تربية النفس والزهد في الدنيا
تربية النفس بمنعها من بعض ما ترغب فيه من ترف العيش والزهد في الدنيا وما عند الناس، وعدم التورط في الكماليات من مأكل ومشرب وملبس كما يفعل العامة عند قدوم رمضان.
جهاد اللسان والبطن والشهوة في رمضان
التدريب على جهاد اللسان فلا يرفث، وجهاد البطن فلا يستذل، وجهاد الشهوة فلا تتحكم، وجهاد الشيطان فلا يمرح، وجهاد النفس فلا تطغى.
الإكثار من قراءة القرآن وإطعام الطعام
كان الزهري إذا دخل رمضان قال: إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام.
قال ابن الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفرّ من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم.
كان محمد بن إدريس الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة.
روى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن مجاهدًا (رحمه الله) كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل.
كان قتادة يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة.
سُئل معروف الكرخي: كيف تصوم.. فغالط السائل وقال: صوم نبينا صلى الله عليه وسلم كان كذا وكذا وصوم داود كذا وكذا فألح عليه فقال: أصبح دهري صائمًا فمن دعاني أكلت ولم أقل إني صائم.
إذا لم تقدر على قيام الليل ولا صيام النهار فاعلم أنك محروم قد كبلتك الخطايا والذنوب.
قيل للحسن البصري يومًا: يا أبا سعيد أي شيء يدخل الحزن في القلب فقال الجوع، قال: فأي شيء يخرجه، قال: الشبع، وكان يقول: توبوا إلى الله من كثرة النوم والطعام.
لذات الدنيا أربعة: المال، والنساء، والنوم، والطعام، فأما المال والنساء فلا حاجة لي فيهما، وأما النوم والطعام فلا بدّ لي منهما، فوالله لأضرّن بهما جهدي، ولقد كان يبيت قائمًا ويظل صائمًا.
قدم بعض السلف الصوم على سائر العبادات فسُئل عن ذلك فقال: لأن يطّلع الله على نفسي وهي تنازعني إلى الطعام والشراب أحبّ إليّ من أن يطّلع عليها وهي تنازعني إلى معصيته إذا شبعت.
إذا صام عرف نعمة الله عليه في الشبع والريّ، فشكرها لذلك، فإن النعم لا تعرف مقدارها إلّا بفقدها.
يروح على أهل الجنة برائحة فيقولون: ربنا ما وجدنا ريحًا منذ دخلنا الجنة أطيب من هذا الريح، فيُقال: هذه رائحة أفواه الصُّوّام.
فضائل الصائمين ومكانتهم يوم القيامة
شعار المؤمنين في القيامة التحجيل بوضوئهم في الدنيا فرقًا بينهم وبين سائر الأمم، وشعارهم في القيامة بصومهم طيب خلوفهم، أطيب من ريح المسك ليعرفوا بين ذلك الجمع بذلك العمل، نسأل الله بركة ذلك اليوم.
نعم زمان المؤمن الشتاء: ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه
بلغنا أن الله تعالى يقول لأوليائه يوم القيامة: يا أوليائي طالما نظرت عليكم في الدنيا وقد قَلُصَتْ شفاهكم عن الأشربة، وغارتْ أعينكم، وجفتْ بطونكم، كونوا اليوم في نعيمكم، وتعاطوا الكأس فيما بينكم.
كفى بقوله (الصوم لي) فضلًا للصيام على سائر العبادات.
قد علمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها، فنرى والله أعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى على الناس، وهذا وجه الحديث عندي.
كل ما ذكر الله في القرآن السياحة: هم الصائمون.
وكان بعض أهل العربية يقول: نرى أن الصائم إنما سمي سائحًا، لأن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل حيث يجد الطعام فكأنه أخذ من ذلك.
سياحة هذه الأمة الصيام.
لا رياء في الصوم، فلا يدخله الرياء في فعله، من صفى.. صفى له، ومن كدّر.. كدّر عليه، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله، وإنما يكال للعبد كما كال.
الصيام وهو باب الملك
الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصيام يوصله إلى باب الملك، والصدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك.
الاستعانة بالصبر والصلاة
قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)، قد قيل: إن معنى الصبر في هذا الموضع: الصوم، والصوم بعض معاني الصبر عندنا.








