مقدمة
تعتبر مرثية أبي ذؤيب الهذلي من أصدق وأبلغ قصائد الرثاء التي خلفها لنا الشعر العربي. سنقوم بتحليل هذه القصيدة لاستكشاف أعماقها الفنية والفكرية.
أبيات من القصيدة
تتألف القصيدة من قرابة سبعين بيتاً، وفيما يلي بعض الأبيات البارزة:
أَمِنَ المَنونِ وَريبِها تَتَوَجَّعُ
وَالدَهرُ لَيسَ بِمُعتِبٍ مِن يَجزَعُ
قالَت أُمَيمَةُ ما لِجِسمِكَ شاحِباً
مُنذُ اِبتَذَلتَ وَمِثلُ مالِكَ يَنفَعُ
أَم ما لِجَنبِكَ لا يُلائِمُ مَضجَعاً
إِلّا أَقَضَّ عَلَيكَ ذاكَ المَضجَعُ
فَأَجَبتُها أَن ما لِجِسمِيَ أَنَّهُ
أَودى بَنِيَّ مِنَ البِلادِ فَوَدَّعوا
أَودى بَنِيَّ وَأَعقَبوني غُصَّةً
بَعدَ الرُقادِ وَعَبرَةً لا تُقلِعُ
سَبَقوا هَوَىَّ وَأَعنَقوا لِهَواهُمُ
فَتُخُرِّموا وَلِكُلِّ جَنبٍ مَصرَعُ
فَغَبَرتُ بَعدَهُمُ بِعَيشٍ ناصِبٍ
وَإَخالُ أَنّي لاحِقٌ مُستَتبَعُ
وَلَقَد حَرِصتُ بِأَن أُدافِعَ عَنهُمُ
فَإِذا المَنِيِّةُ أَقبَلَت لا تُدفَعُ
وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها
أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ
فَالعَينُ بَعدَهُمُ كَأَنَّ حِداقَها
سُمِلَت بشَوكٍ فَهِيَ عورٌ تَدمَعُ
حَتّى كَأَنّي لِلحَوادِثِ مَروَةٌ
بِصَفا المُشَرَّقِ كُلَّ يَومٍ تُقرَعُ
لا بُدَّ مِن تَلَفٍ مُقيمٍ فَاِنتَظِر
أَبِأَرضِ قَومِكَ أَم بِأُخرى المَصرَعُ
وَلَقَد أَرى أَنَّ البُكاءَ سَفاهَةٌ
وَلَسَوفَ يولَعُ بِالبُكا مِن يَفجَعُ
وَليَأتِيَنَّ عَلَيكَ يَومٌ مَرَّةً
يُبكى عَلَيكَ مُقَنَّعاً لا تَسمَعُ
وَتَجَلُّدي لِلشامِتينَ أُريهِمُ
أَنّي لَرَيبِ الدَهرِ لا أَتَضَعضَعُ
وَالنَفسُ راغِبِةٌ إِذا رَغَّبتَها
فَإِذا تُرَدُّ إِلى قَليلٍ تَقنَعُ
كَم مِن جَميعِ الشَملِ مُلتَئِمُ الهَوى
باتوا بِعَيشٍ ناعِمٍ فَتَصَدَّعوا
فَلَئِن بِهِم فَجَعَ الزَمانُ وَرَيبُهُ
إِنّي بِأَهلِ مَوَدَّتي لَمُفَجَّعُ
وَالدَهرُ لا يَبقى عَلى حَدَثانِهِ
في رَأسِ شاهِقَةٍ أَعَزُّ مُمَنَّعُ
وَالدَهرُ لا يَبقى عَلى حَدَثانِهِ
جَونُ السَراةِ لَهُ جَدائِدُ أَربَعُ
صَخِبُ الشَوارِبِ لا يَزالُ كَأَنَّهُ
عَبدٌ لِآلِ أَبي رَبيعَةَ مُسبَعُ
أَكَلَ الجَميمَ وَطاوَعَتهُ سَمحَجٌ
مِثلُ القَناةِ وَأَزعَلَتهُ الأَمرُعُ
بِقَرارِ قيعانٍ سَقاها وابِلٌ
واهٍ فَأَثجَمَ بُرهَةً لا يُقلِعُ
فَلَبِثنَ حيناً يَعتَلِجنَ بِرَوضَةٍ
فَيَجِدُّ حيناً في العِلاجِ وَيَشمَعُ
حَتّى إِذا جَزَرَت مِياهُ رُزونِهِ
وَبِأَيِّ حينِ مِلاوَةٍ تَتَقَطَّعُ
ذَكَرَ الوُرودَ بِها وَشاقى أَمرَهُ
شُؤمٌ وَأَقبَلَ حَينُهُ يَتَتَبَّعُ
فَاِفتَنَّهُنَّ مِنَ السَواءِ وَماؤُهُ
بِثرٌ وَعانَدَهُ طَريقٌ مَهيَعُ
فَكَأَنَّها بِالجِزعِ بَينَ يُنابِعٍ
وَأولاتِ ذي العَرجاءِ نَهبٌ مُجمَعُ
وَكَأَنَّهُنَّ رَبابَةٌ وَكَأَنَّهُ
يَسَرٌ يُفيضُ عَلى القِداحِ وَيَصدَعُ
وَكَأَنَّما هُوَ مِدوَسٌ مُتَقَلِّبٌ
في الكَفِّ إِلّا أَنَّهُ هُوَ أَضلَعُ
فَوَرَدنَ وَالعَيّوقُ مَقعَدَ رابِىءِ الضُرَباءِ فَوقَ النَظمِ لا يَتَتَلَّعُ
فَشَرَعنَ في حَجَراتِ عَذبٍ بارِدٍ
حَصِبِ البِطاحِ تَغيبُ فيهِ الأَكرُعُ
فَشَرِبنَ ثُمَّ سَمِعنَ حِسّاً دونَهُ
شَرَفُ الحِجابِ وَرَيبَ قَرعٍ يُقرَعُ
وَنَميمَةً مِن قانِصٍ مُتَلَبِّبٍ
في كَفِّهِ جَشءٌ أَجَشُّ وَأَقطُعُ
التصوير الفني في القصيدة
تزخر القصيدة بالصور البيانية الرائعة، ومن أبرزها:
-
“وَالدَهرُ لَيسَ بِمُعتِبٍ مِن يَجزَعُ”:
تصوير للدَّهر كأنه شخص يعتب على الآخرين. تم حذف المشبه به وهو الإنسان، والإبقاء على صفة من صفاته وهي “العتب” على سبيل الاستعارة المكنية.
-
“وَعَبرَةً لا تُقلِعُ”:
تصوير للدمعة كأنها إنسان لا يقلع عن البكاء، وحذف المشبه به والإبقاء على صفة “الإقلاع” استعارة مكنية.
-
“وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها”:
تجسيد للمنية بصورة وحش مفترس يغرز أظفاره. تم حذف المشبه به (الوحش) والإبقاء على الأظفار، وهي استعارة مكنية.
-
“وَالنَفسُ راغِبِةٌ إِذا رَغَّبتَها”:
تشبيه النفس بالإنسان الذي يرغب. تم حذف المشبه به (الإنسان) مع الإبقاء على صفة الرغبة. استعارة مكنية.
-
“تَقنَعُ”:
تشبيه النفس بالإنسان الذي يقنع. تم حذف المشبه به (الإنسان) مع الإبقاء على صفة القناعة. استعارة مكنية.
-
“باتوا بِعَيشٍ ناعِمٍ فَتَصَدَّعوا”:
تصوير للجمع بالأرض التي تتشقق وتتصدع. تم حذف المشبه به (الأرض) مع الإبقاء على صفة التصدع. استعارة مكنية.
-
“يصدّق طرفه ما يسمع”:
تصوير الطرف كأنه شخص يصدق. تم حذف المشبه به (الإنسان) مع الإبقاء على صفة الصدق. استعارة مكنية.
-
“لَو أَنَّ شَيئاً يَنفَعُ”:
تشبيه الشيء بالإنسان الذي ينفع. تم حذف المشبه به (الإنسان) مع الإبقاء على صفة النفع. استعارة مكنية.
الأفكار المحورية
تتمحور القصيدة حول عدة أفكار رئيسية، من أبرزها:
- الرثاء العميق للأبناء والتعبير عن الحزن الشديد لفقدانهم، مع التأكيد على أن الحزن لا يفارق الشاعر.
- تسلسل المصائب والمعاناة التي يواجهها الشاعر، والتخوف مما يخبئه المستقبل.
- التمني بأن يكون الفداء ممكناً، للتضحية بالنفس من أجل الأبناء، ولكن الموت أمر محتوم لا يمكن تغييره.
- الحوار مع المرأة العاذلة، حيث يعبر الشاعر من خلالها عن مشاعر الألم والحزن العميق.
- استخدام قصة الكلاب كرمز لتقلبات الدهر ومصائبه.
- تصوير حمار الوحش للتعبير عن الصراع مع الموت.
- عرض صورة متصارعين لبيان حتمية الموت.
- تقديم العديد من الحكم والمواعظ التي يجب على الإنسان أن يعمل بها.
تفسير معاني الكلمات
بعض الكلمات الواردة في القصيدة تحتاج إلى شرح وتوضيح:
| الكلمة | المعنى |
|---|---|
| الجميم | اسم جمعه أجمّاء، والكثير المجتمع من كل شيء. |
| قيعان | الأرض المستوية عما يحيط بها من الجبال. |
| تثوخي | يقال ثاخت قدمه في الوحل إذا غابت فيه. |
| تصدّعوا | يقولون تصدّع الجدار إذا تشقّق. |
| تميمة | التميمة هي ما يُعلَّق من التعاويذ بغية دفع الشر. |








