نظرة في الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم

استكشاف مفهومي الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم. تعريف، أنواع النسخ المختلفة (القرآن بالقرآن، القرآن بالسنة، السنة بالقرآن، السنة بالسنة)، وأمثلة توضيحية.

مقدمة

أنزل الله سبحانه وتعالى الشرائع على الأنبياء والمرسلين، داعياً إلى عبادته وحده لا شريك له. فالتوحيد هو أساس دعوة الرسل جميعاً، كما قال تعالى: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ). لم يطرأ أي تغيير على جوهر العقيدة، لأنها تقوم على وحدانية الله وربوبيته، وهي مبادئ متفق عليها بين جميع الرسل. لهذا السبب، جاءت الشريعة الإسلامية لتنسخ الشرائع السابقة، وتضع أحكاماً تناسب العصر الذي نزلت فيه. ثم نسخ الله بعض هذه الأحكام لحكمة يعلمها، ومصلحة لعباده، فهو سبحانه الحكيم العليم.

توضيح مفهوم الناسخ والمنسوخ

النسخ في اللغة: يحمل معنى الإزالة والإبطال. نقول: نسخت الشمس الظل، أي أزالته. ونسخت الريح أثر المشي، أي طمسته. كما يأتي بمعنى نقل الشيء من مكان إلى آخر. نقول: نسخت الكتاب، أي نقلت محتواه. وفي القرآن الكريم: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، والمراد به نقل الأعمال وتسجيلها.

النسخ في الاصطلاح: هو رفع حكم شرعي ثابت بنص قرآني أو حديث نبوي، وذلك بخطاب شرعي آخر (قرآن أو سنة). لا يجوز النسخ بالعقل أو الاجتهاد.

المنسوخ: هو الحكم الشرعي الذي تم رفعه وإبطال العمل به بموجب حكم شرعي آخر من القرآن أو السنة.

الناسخ الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، فهو الآمر بالنسخ، والمنزل للآيات والأحكام. وقد ورد ذلك في قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا). وأيضاً في قوله تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).

النسخ يقتصر على الأوامر والنواهي، ولا يشمل العقائد وثوابت الدين، مثل أصول العبادات والمعاملات. رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرَّ بِرَجُلٍ يَقُصُّ فَقَالَ «أَعَرَفْتَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ». وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) قال: “المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومُحْكَمه ومتشابهه ومُقَدَّمِه ومُؤَخَّرَه، وحرامه وحلاله وأمثاله”.

أصناف النسخ

قسم العلماء النسخ إلى عدة أنواع، من بينها:

القرآن ينسخ القرآن

أجمع العلماء على جواز هذا النوع من النسخ. مثال ذلك: الآية التي حددت عدة المرأة المتوفى عنها زوجها بسنة كاملة، ثم نُسِخَت بآية أخرى تحدد العدة بأربعة أشهر وعشرة أيام.

القرآن ينسخ السنة

أجازه جمهور العلماء. مثال: تغيير القبلة من بيت المقدس إلى مكة المكرمة. كان هذا الأمر ثابتاً بالسنة النبوية، ولم يرد في القرآن الكريم وقتها ما يدل عليه، ثم نُسِخَ بالقرآن في قوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ).

السنة تنسخ القرآن

اختلف العلماء في هذه المسألة. فمنهم من أجازه بشروط، ومنهم من منعه. وينقسم هذا النوع إلى قسمين:

  • نسخ القرآن بالسنة الآحادية: لم يجزه جمهور العلماء، لأن القرآن متواتر يفيد اليقين، بينما الحديث الآحادي لا يرقى إلى درجة التواتر، ولا يفيد إلا الظن. ولا يصح رفع اليقيني (القرآن) بالظني (الحديث الآحادي).
  • نسخ القرآن بالسنة المتواترة: أجازه بعض العلماء، لأن السنة المتواترة كالقرآن في الثبوت، وكلاهما وحي من الله، كما قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).

السنة تنسخ السنة

يشمل هذا النوع أربعة أقسام:

  1. نسخ سنة متواترة بسنة متواترة.
  2. نسخ سنة آحادية بسنة آحادية.
  3. نسخ سنة آحادية بسنة متواترة.
  4. نسخ سنة متواترة بسنة آحادية.

اتفق الجمهور على جواز الأنواع الثلاثة الأولى. أما النوع الرابع، فقد ورد فيه نفس الخلاف الذي ورد في نسخ القرآن بالسنة الآحادية، ولم يجزه الجمهور.

نماذج للنسخ

  • قوله تعالى في سورة البقرة الآية 180: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) منسوخة بآية المواريث في سورة النساء آية 11، وقيل بحديث: “إنّ الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث”.
  • قوله تعالى في سورة البقرة الآية 240: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) نُسِخت بقوله تعالى في سورة البقرة الآية 234: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً).
  • قوله تعالى في سورة النساء الآية 15،16: (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا)، نُسِختا بآية الجَلْد للبِكْر في سورة النور الآية 2: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)، وبالرَّجم للثيِّب الوارد في السٌّنَّة: “خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البِكْر بالبِكْر جلد مائة ونفي سنة، والثيِّب بالثيِّب جلد مائة، والرجم”.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

مفهوم النسخ في الشريعة الإسلامية وتطبيقاته

المقال التالي

الناسور العصعصي: الأسباب، الأعراض، العلاج والوقاية

مقالات مشابهة