نظرة في أعماق رواية السمان والخريف

قراءة تحليلية معمقة لرواية السمان والخريف للكاتب نجيب محفوظ. تتناول هذه المقالة الجوانب الموضوعية والأسلوبية، بالإضافة إلى الصور الفنية والحوار والسرد في الرواية.

تقديم حول الرواية وأحداثها

تعتبر رواية “السمان والخريف” التي نشرت سنة 1962 من إبداعات الأديب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الأدب. تتألف الرواية من 148 صفحة، وتسلط الضوء على فترة مفصلية في تاريخ مصر الحديث، ألا وهي “ثورة يوليو 1952” وما أحدثته من تحولات جذرية في مختلف جوانب الحياة المصرية. تتناول الرواية قصة الشخصية الرئيسية “عيسى الدباغ”، الذي يشهد بعينيه آثار حريق القاهرة في 26 يناير 1952.

تتضارب الآراء حول الجهة المسؤولة عن هذا الحريق، إلا أن أغلبها يشير إلى تورط بريطانيا في إشعاله بهدف الإطاحة بوزارة “النحاس” بعد إلغاء الأخيرة معاهدة 1936م. تركز الرواية على تأثير هذه الأحداث التاريخية على مصير “عيسى الدباغ”.

تتغير حياة “عيسى الدباغ” جذريًا، إذ كان قياديًا في حزب الوفد وصعد إلى مناصب وزارية مرموقة في شبابه، إلا أن الثورة قضت على طموحاته وأحلامه. يتم تنحيته من منصبه ونقله إلى المحفوظات، ثم يتم استدعاؤه من قبل “لجنة التطهير” للتحقيق معه بتهمة استغلال منصبه وقبول هدايا ورشاوى. تقرر اللجنة إدانته وإحالته إلى التقاعد، مما يدفعه خارج دائرة العمل السياسي ويحطم آماله. يشعر “عيسى” بالظلم ويعتبر الأمر انتقامًا مدبرًا. بالإضافة إلى ذلك، يخسر خطوبته على ابنة “علي بك سليمان”.

تحليل في الأسلوب الروائي

تصنف رواية “السمان والخريف” ضمن الأدب الواقعي، وتسيطر عليها أجواء الوجودية والعبثية التي لازمت “عيسى الصباغ” بعد خروجه من الحياة السياسية. استخدم نجيب محفوظ آليات التحليل النفسي لاستكشاف مشاعر الاغتراب والانقسام التي يعيشها “عيسى”.

عندما ننظر إلى مصر بعيون “عيسى” بعد الثورة، نلاحظ معاناة وجودية وإنسانية تتجسد في وضعه. فمن جهة، هو غاضب مما حدث له، ومن جهة أخرى، يشعر بضرورة الثورة وحتميتها رغم ما سببته له من ضياع.

تتميز الرواية بالاعتماد على المفارقات الدرامية الحادة في الأحداث، وتعرض الظروف السياسية من خلال وجهة نظر “عيسى الصباغ”. كما تستخدم الرمزية في شخصية “ريري”، فتاة الليل التي تربطها علاقة بـ”عيسى” الذي ينكرها بعد إخبارها بحملها منه.

تمثل “ريري” ذات الأصل البسيط والوضع الهش، الضياع الذي تعيشه الشعوب في فترات التحولات الجذرية، حيث تتلاعب القوى المتنازعة على السلطة بمصائرهم.

الصور الفنية والاستعارات

تتضمن الرواية العديد من الاستعارات والتشبيهات التي تعكس الأزمة التي يعيشها البطل. ومن أبرز التشبيهات، وصف “عيسى” لانعكاس صورته في مرآة مقهى البويدجا القاهري، حيث يقول: “وهذا الوجه الذي كان مرشحًا للصفحات الأولى من الصحف، ما باله يندثر كالديناصور عملاق الأساطير البائدة وكالشاي الذي تحتسيه المقتلع في أرضه الطيبة من سيلان ليستقر آخر الأمر في مجاري القاهرة”. يعكس هذا الوصف شعور “عيسى” بالتحسر على مصيره وفقدانه للانتماء.

بالإضافة إلى الاستعارات المتفرقة في الرواية، هناك استعارة كبرى تمتد على طول الرواية، وهي استعارة الطقس. فالعنوان “السمان والخريف” يشير إلى تحول وانتقال يماثل فقدان الأشجار لأوراقها في الخريف، مما يمهد لشتاء يضيع فيه بطل الرواية.

الحوار وتقنيات السرد

اعتمد الروائي أسلوب المونولوج أو الحوار الداخلي للشخصية الرئيسية، حيث نرى “عيسى” يحدث نفسه ويؤنبها على ما آل إليه حاله. كما تخللت السرد وقفات حوارية لتفسير المواقف والأحداث وتحديد التغيرات التي تطرأ على مواقف الشخصيات. على سبيل المثال، هذا الحوار:

“فقال عيسى بحزن: ولذلك فحتى لو حظيت بعشرات الأعمال فسوف أظل بلا عمل.

فقال عباس صديق: أهو العقل أم القلب الذي يتكلم؟

فقال سمير عبد الباقي باسمًا: للقلب عندنا معنى مختلف كل الاختلاف.”

يعكس هذا الحوار الذي دار بين “عيسى الدباغ” و”سمير عبد الباقي” و”عباس صديق” و”إبراهيم خيرت”، حجم التحولات التي طرأت في حياتهم مع الثورة. فـ”سمير” الذي طرد من الحياة السياسية مع “عيسى”، تحول إلى التصوف والأعمال التجارية، بينما “عباس” و”إبراهيم” استفادا من أحداث الثورة.

رؤى نقدية حول الرواية

فيما يلي بعض الآراء النقدية حول أعمال نجيب محفوظ ورواية “السمان والخريف”:

ترى الناقدة سوسن حماد أن نجيب محفوظ “كاتب سياسي بالدرجة الأولى، له رأي واضح، وله موقف متماسك ومستمر اجتماعيًا، وله نظرة شاملة فكريًا، مهما بدا كل هذا مسر بلا أحيانًا في حبك القصة، وفي ثنايا فنها الماكر.”

يصف الدكتور جابر عصفور عالم نجيب محفوظ الروائي بأنه “عالم بالغ الغنى في تعقد مستوياته وتغير محاوره، إذ يجمع بين القصّ التاريخي والقص الواقعي، ويضم الرمز الجزئي الذي يتخلل النغمة السائدة لعمل واقعي مع الرمز الكلي الذي تتعدد دلالاته.”

ويؤكد إبراهيم فتحي أن “عالم نجيب محفوظ عالم قائم بذاته يكاد أن يكون معادلًا للمجتمع الخارجي، ترتبط عناصره ارتباطًا سببيًا، ويستمد كل عنصر قيمته النسبية من علاقته بالأجزاء الأخرى.”

تعتبر رواية “السمان والخريف” من أهم مؤلفات نجيب محفوظ التي تتناول فترة حاسمة في تاريخ مصر، وهي “ثورة يوليو 1952” وما تبعها من تغيرات سياسية. تتتبع الرواية التحولات التي تحدث في حياة البطل “عيسى الدباغ”، وتجعله شاهدًا على تلك الحقبة بكل تحدياتها.

المصادر

  1. شوقي بدر يوسف، الرواية التأثير والتأثر، صفحة 59.
  2. “حريق القاهرة”، فاروق مصر، تم الاطلاع عليه بتاريخ 12/9/2021.
  3. جمانة مفيد السالم، جدلية الحرية والعدالة في أدب نجيب محفوظ، صفحة 87.
  4. أماني فؤاد، المرأة ميراث من القهر، صفحة 175.
  5. “أزمة المغترب في زمن التحول”، مجلة الكلمة، تم الاطلاع عليه بتاريخ 12/9/2021.
  6. نجيب محفوظ، السمان والخريف، صفحة 78.
  7. جابر عصفور، نقاد نجيب محفوظ، صفحة 270.
  8. إبراهيم فتحي، العالم الروائي عند نجيب محفوظ، صفحة 7.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

نظرة تحليلية لرواية الزيني بركات لجمال الغيطاني

المقال التالي

دراسة معمقة في رواية السيدة دالاوي

مقالات مشابهة