نظرة في أشراط الساعة الكبرى

مقدمة حول ترتيب العلامات الكبرى

لقد أشار الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- في عدة أحاديث نبوية إلى علامات الساعة الكبرى، ولكن هذه الإشارات لم تحدد ترتيبًا زمنيًا دقيقًا لحدوثها. وذلك لأن الأحاديث تستخدم حرف العطف “الواو” الذي لا يفيد الترتيب، وأيضًا لأن ترتيب هذه العلامات يختلف من حديث إلى آخر.

وبناءً على ذلك، فإن ترتيب علامات الساعة الكبرى هو أمر قابل للاجتهاد بين العلماء. ومع ذلك، يتفق العلماء على أن ظهور النار هو آخر العلامات الكبرى. أما العلامات الأولى وما يليها، فقد اختلفوا فيها. فمنهم من قسم العلامات إلى أرضية تبدأ بظهور الدجال، وسماوية تبدأ بطلوع الشمس من مغربها، ومنهم من قسمها إلى علامات تدل على قرب الساعة وتبدأ بالدجال، وأخرى تدل على وقوع الساعة وتبدأ بالدخان.

إذًا، العلامات الكبرى للساعة متعددة، وقد اجتهد العلماء في تحديد ترتيبها، لكنهم أجمعوا على أن آخرها ظهور النار.

الأمارات الكبرى لقيام الساعة

تتضمن هذه الأمارات أحداثًا عظيمة تسبق يوم القيامة، وتشير إلى قرب حلول ذلك اليوم.

بزوغ فجر المهدي

يعتبر ظهور المهدي أمرًا فيه خلاف بين العلماء؛ فمنهم من عدّه من العلامات الكبرى، ومنهم من اعتبره من العلامات الصغرى، وذلك لعدم وجود نص صريح في الروايات يضعه ضمن أي من الفئتين.

في آخر الزمان، ينتشر الفساد والظلم وتكثر المنكرات، فيأذن الله بخروج رجل صالح يجتمع حوله المؤمنون، فيكون قائدًا وحاكمًا يصلح الله به أحوال الأمة. اسمه محمد بن عبدالله، ويعرفه أهل السنة بالمهدي، وسيخرج من جهة المشرق، وبالتحديد من مكة المكرمة، حيث يبايعه الناس عند الكعبة على السمع والطاعة والاتباع. يحكم المسلمين بضع سنين ينعمون فيها بالعدل والخيرات، ويعظم شأن الأمة.

وقد تحدث الرسول -عليه الصلاة والسلام- عن المهدي في أحاديث عديدة، منها ما رواه الألباني عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله قال: (يخرجُ في آخرِ أُمَّتي المهديُّ، يَسقِيه اللهُ الغَيْثَ، وتُخرِجُ الأرضُ نباتَها، ويُعطِي المالَ صِحاحًا، وتكثُرُ الماشيةُ، وتَعظُمُ الأُمَّةُ، يعيشُ سبعًا، أو ثمانيًا).

كما وصف الرسول صفاته الخلقية: (المَهْديُّ منِّي، أجلى الجبهةِ، أقنى الأنفِ، يملأُ الأرضَ قسطًا وعدلًا).

ظهور المسيح الدجال

من هو المسيح الدجال؟

الدجال هو رجل من بني آدم يدعي الربوبية. يمكّنه الله بقدرات خارقة ليكون فتنة للناس وامتحانًا لإيمانهم. يسمى بالمسيح الدجال لأن عينه اليسرى ممسوحة (أعور)، كما قال رسول الله: (الدَّجَّالُ مَمْسُوحُ العَيْنِ). وقيل لأنه يمسح الأرض كلها ويسير فيها. أما دجال، فلأنه كذاب ومحتال.

وقد وصف الرسول فتنة الدجال بأنها أخطر فتنة تمر على البشرية، إذ قال: (ما بيْنَ خَلْقِ آدَمَ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ).

سمات الدجال وفترة وجوده

يُوصف الدجال بأنه رجل قصير القامة، متباعد ما بين ساقيه، ممتلئ الجسم، شعره كثيف أجعد، وهو أبيض البشرة وذو جبهة عريضة.

مكتوب بين عينيه “كافر”، لا يقرأها إلا المؤمن، كما قال رسول الله: (مَكْتُوبٌ بيْنَ عَيْنَيْهِ كافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كاتِبٍ وغَيْرِ كاتِبٍ).

يجول الدجال الأرض خلال أربعين يومًا، وهي المدة التي يمكثها في الأرض. فقد سئل رسول الله عن ذلك، فقال: (أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ).

يتحرك بسرعة كبيرة في الأرض، وقد وصفه الرسول بأنه: (كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ)؛ أي كالمطر النازل الذي تدفعه الريح في كل اتجاه، مما يمكنه من التجول في أقطار الأرض قاطبة.

إلا أنه لن يتمكن من دخول مكة والمدينة المنورة؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: (ليسَ مِن بَلَدٍ إلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إلَّا مَكَّةَ، والمَدِينَةَ، ليسَ له مِن نِقَابِهَا نَقْبٌ، إلَّا عليه المَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ ومُنَافِقٍ).

محنة الدجال ونهايته

للدجال أساليب متعددة في فتنة الناس وإضلالهم وإقناعهم بألوهيته، فقد قال رسول الله فيه: (إنَّ معهُ مَاءً ونَارًا، فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ، ومَاؤُهُ نَارٌ).

ومن فتنته أنه يقول للأعرابي: (أرأيتَ إن بَعَثْتُ لك أباك وأمَّك أَتَشْهَدُ أني ربُّك؟ فيقولُ: نعم، فيتمثلُ له شيطانانِ في صورةِ أبيه وأمِّه، فيقولانِ: يا بُنَيَّ اتَّبِعْهُ، فإنه ربُّك).

إلا أن أهل الإيمان لا يفتنون به؛ فالله ينجيهم منه.

ومن سبل النجاة من فتنته: أن يكون القلب عامرًا بالإيمان وثابتًا عليه؛ لقوله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا).

والعمل بوصية رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، إذ قال: (مَن حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ).

واللجوء إلى أحد الحرمين الشريفين؛ لأن الدجال لن يتمكن من دخولهما.

أما هلاكه، فيكون على يد عيسى بن مريم -عليه السلام-؛ لقول رسول الله: (يقتُلُ ابنُ مَريمَ الدَّجَّالَ ببابِ لُدٍّ).

هبوط عيسى ابن مريم

من علامات الساعة الكبرى نزول عيسى -عليه السلام-؛ لقول رسول الله: (لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى ينزِلَ عيسَى ابنُ مريم).

وهو مربوع القامة، سَبِط الشَّعر؛ أي طويل لين ليس بأجعد، أبيض يميل إلى الحمرة، عريض الصدر. وقد وصفه رسول الله بقوله: (رَأَيْتُ عِيسَى رَجُلًا مَرْبُوعًا، مَرْبُوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبَيَاضِ، سَبِطَ الرَّأْسِ).

ويمكث في الأرض أربعين سنة يملأ الأرض خلالها عدلاً وأماناً، ويقتل الدجالَ، ويَكثُر المال في عهده حتى يَفيض.

خروج يأجوج ومأجوج

من هما يأجوج ومأجوج وما صفاتهما؟

يأجوج ومأجوج قبيلتان من البشر من ذرية يافث، وهو من ولد نوح -عليه السلام-. وقد جاء أصل تسميتهم من أجيج النار إذا التهبت، أو من الأُجاج؛ وهو الماء المالح الحارق لشدة ملوحته.

خروجهم آخر الزمان من علامات الساعة الكبرى؛ إذ دل على ذلك قوله -تعالى-: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ* وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ).

ومن صفاتهم الخلقية أنهم صغار العيون، وجوههم عريضة، وشعرهم أصهب اللون. وقد وصفهم رسول الله بقوله: (وإنَّكم لن تزالوا تُقاتِلونَ حتَّى يأتيَ يأجوجُ ومأجوجُ عراضُ الوجوهِ صغارُ العيونِ صهبُ الشِّعافِ ومن كلِّ حَدَبٍ ينسِلونَ كأنَّ وجوهَهم المَجانُّ المطرقةُ).

سد يأجوج ومأجوج

بنى ذو القرنين سد يأجوج ومأجوج؛ وهو مَلِكٌ مؤمنٌ طاف الأرض من شرقها إلى غربها؛ أي من مطلع قرني الشيطان إلى المغرب؛ ولهذا سُمِّي ب(ذي القرنين). في رحلته وصل مع جنوده إلى جبلين عظيمين في المشرق، بينهما ثغرة يخرج من خلالها يأجوج ومأجوج، فيقتلون ويفسدون فيها، فاستغاث الناس بذي القرنين؛ لما رأوا فيه من قوة وصلاح.

وذلك من خلال بناء سدٍّ يَحجُب يأجوج ومأجوج عنهم، وعرضوا عليه المال مقابل ذلك، فتطوّع لبنائه دون أجر، وأمر برَدم الثغرة بقِطَعٍ من الحديد والحطب، وساوى بها بين الجبلين، ثم أشعلها فصارت ناراً، وصَبّ النحاس المُذاب عليها، فأصبح سدّاً عالياً لم يتمكّن يأجوج ومأجوج من تسلُّقه، وشديد الصلابة لم يتمكّنوا من ثَقبه.

ويستمر ذلك إلى أن يأذن الله بخروجهم إلى الناس؛ لقوله تعالى: (قالَ هـذا رَحمَةٌ مِن رَبّي فَإِذا جاءَ وَعدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ).

وإذا اقتربت الساعة، فإن الله يمكّنهم من ثقب السد، فيخرجون على الناس يملؤون الأرض فسادًا، وقتلاً، وهتكاً للحرمات، ولشدة غرورهم وكفرهم، يرمون السماء بسهامهم؛ ليغلبوا أهلها.

وقد دل على ذلك قول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (ويخرُجونَ على النَّاسِ، فيستقونَ المياهَ، ويفرُّ النَّاسُ مِنهم، فيرمونَ بسِهامِهِم إلى السَّماءِ فترجعُ مخضَّبةً بالدِّماءِ، فيقولونَ: قَهَرنا مَن في الأرضِ وعلَونا مَن في السَّماءِ، قسوةً وعلوًّا).

فناء يأجوج ومأجوج

يستمر يأجوج ومأجوج بالإفساد في الأرض، فلا يأمن شرَّهم إلا من كان مختبئاً ومتحصناً بالحصون، ومنهم عيسى -عليه السلام- ومجموعة من المؤمنين معه، فيشتد بلاؤهم على المؤمنين، فيتضرعون إلى الله بالدعاء، فينجيهم الله بإرسال دود تأكل رقاب يأجوج ومأجوج، فيموتون، ثم يبعث الله طيراً أعناقها طويلة، فتحمل أجسادهم إلى حيث يشاء الله -سبحانه-.

وقد ورد ذلك في قول رسول الله: (فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فيُرْسِلُ اللَّهُ عليهمُ النَّغَفَ في رِقَابِهِمْ، فيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إلى الأرْضِ، فلا يَجِدُونَ في الأرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إلى اللهِ، فيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ البُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ).

تخريب الكعبة

يُعَدّ هدم الكعبة من علامات اقتراب الساعة، وذلك من قِبل رجل من الحبشة يُدعى ب(ذي السُويقَتَين)؛ لصِغَر ساقَيه، ورقّتهما، قال رسول الله: (يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ).

وقد وصفه بأنه أسود مُتَباعد ما بين ساقَيه، يهدم الكعبة حجراً حجراً، لقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: (كَأَنِّي به أسْوَدَ أفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا).

ويُشار إلى أن ما سيَحدُث للكعبة من خراب لا يتنافى مع قوله -تعالى-: (حَرَمًا آمِنًا)؛ إذ إنه يبقى آمناً إلى قُرب قيام الساعة، لا إلى قيامها الفِعليّ. أما المدينة المنورة فسيخرج الناس منها -وذلك من علامات الساعة-، فيتركونها حتى تُصبح خاوية على الرغم من طِيب عَيشها وثمارها، إذ قال رسول الله: (يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ علَى خَيْرِ ما كَانَتْ، لا يَغْشَاهَا إلَّا العَوَافِ).

والعوافي هي الطير والسباع.

ظهور الدخان

ثبت شرعاً أنّ الدخان علامة من علامات السّاعة الكبرى، حيث قال -سبحانه-: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هَـذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ* رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ)

وقد أكّد النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أنّ الدخان الوارد في الآية الكريمة السّابقة هو من علامات الساعة، وذلك في قوله:(إنَّهَا لَنْ تَقُومَ حتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ، الدُّخَانَ).

ويهرع النّاس حين ظهور الدّخان إلى الله سبحانه، يسألونه كشف هذه الغُمّة عنهم كما جاء بآيات سورة الدخان؛ وأنّهم قد آمنوا بما أخبرهم به سبحانه من الأمور الغيبية التي ستقع بعد ذلك، وفي هذا إشارة إلى إمكانية استدراك المرء نفسه بالتوبة والإنابة.

أمّا تأثير ظهور الدخان على النّاس حينها؛ فقد أشارت بعض الروايات أنّ المؤمنين يعتريهم بسببه الزّكام، بينما يأخذ الكافرين كلَّ مأخذ، ومن تلك الروايات ما أخرجه ابن كثير عن أبي مالك الأشعري بإسناد جيّد أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:(إنَّ ربَّكم أنذرُكم ثلاثًا: الدُّخانُ، يأخذُ المؤمِنُ كالزُّكْمَةِ، ويأخذُ الكافرُ؛ فينتفخُ حتَّى يخرُجَ من كلِّ مَسْمَعٍ منهُ، والثَّانيةُ الدابَّةُ، والثَّالثةُ الدَّجَّالُ).

شروق الشمس من مغربها

طلوع الشمس من مغربها من العلامات العظيمة الدالّة على اقتراب الساعة؛ لقول رسول الله: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها).

وقد بيّن رسول الله أنّه في اليوم الذي تَطلع فيه الشمس من مغربها، لن ينفع النفس إيمانها إن لم تكن قد آمنت من قبل؛ وذلك لقوله:(ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا)-وذكر منها-(طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها).

والسبب في عدم قبول الإيمان في ذلك اليوم أنّ طلوع الشمس من مغربها أمر عظيم يراه كلّ من يكون في ذلك الزمان؛ فتَذهَلُ العقول، وتَخضَع القلوب مُعتَرفة بخالقها.

ظهور الدابة

أخبر رسول الله عن خروج علامة من علامات الساعة الكُبرى في اليوم الذي تَطلع فيه الشمس من مغربها، ألا وهي دابّة تُكلّم الناس، إذ قال: (إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا، طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدَّابَّةِ علَى النَّاسِ ضُحًى).

فتُكَلّم الناس بكلام واضح، وتُخبرهم أنّ الناس كانوا لا يوقنون بآيات الله، وتُميّز المؤمن عن الكافر، بوضع علامة على أنف المؤمن، فيعُرف أنّه مؤمن.

لقول رسول الله:( تخرجُ الدابَّةُ، فتَسِمُ الناسَ على خراطيمِهم، ثم يُعمِّرون فيكم، حتى يشتريَ الرجلُ الدابَّةَ، فيُقالُ: ممَّنِ اشتريتَ؟ فيقولُ: من الرجلِ المُخَطَّمِ).

وبعد خروجها إلى الناس لا ينفع الإيمان لمَن لم يكن مؤمناً من قَبل؛ لقول رسول الله: ( ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا)، وذكر من بينها دابّة الأرض.

الخسوفات الثلاثة

تُعَدّ لفظة (الخَسْف) مصدراً للفعل (خَسَفَ)، فَخَسَفَت الأرض؛ أي غارت بمَن عليها، وخَسَفَت به الأرض؛ أي اختفى بداخلها.

ومن علامات الساعة الكُبرى حدوث ثلاثة خسوف في الأرض؛ لقول رسول الله:(إنَّهَا لَنْ تَقُومَ حتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ)، وذكر منها:(وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بجَزِيرَةِ العَرَبِ).

وهذه الخسوف الثلاثة ليست كغيرها ممّا يَحدُث الآن، فهي أعظم مكاناً وقدراً، وتكون في المشرق، وفي المغرب، وفي جزيرة العرب كما أخبر رسول الله.

الريح الباردة

أخبر رسول الله أنّ الساعة لا تقوم إلّا على شرار الخلق، أمّا المؤمنون منهم فيُنجّيهم الله من أهوالها؛ وذلك بإرسال ريح طيّبة تقبض أرواحهم، فلا تظلّ على الأرض نَفْس في قلبها مثقال ذرّة من إيمان؛ لقوله -صلّى الله عليه وسلّم-:(ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِن قِبَلِ الشَّأْمِ، فلا يَبْقَى علَى وَجْهِ الأرْضِ أَحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ، أَوْ إيمَانٍ إلَّا قَبَضَتْهُ، حتَّى لو أنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ في كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عليه، حتَّى تَقْبِضَهُ قالَ: سَمِعْتُهَا مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ).

وقد ورد عن رسول الله في رواية أخرى أنّ هذه الريح تأتي من اليمن، وذلك بقوله:(إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنَ اليَمَنِ)، ويحتمل الجمع بين الروايتَين وَجهَين: الأوّل أنّهما ريحان؛ شاميّة، ويمانيّة، والثاني أنّ الريح تبدأ من إحدى المنطقتَين لتصلَ الأخرى.

انبثاق النار

اتفق العلماء على أنّ خروج النار هي آخر علامات الساعة الكُبرى؛ لقول رسول الله:(إنَّهَا لَنْ تَقُومَ حتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ)، إلى أن قال:(وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ).

ويُفهَم من حديث رسول الله أنّ هذه النار تَخرُج من اليمن، وتَسوق الناس إلى مَحشرهم وهو بلاد الشام؛ لقوله -صلّى الله عليه وسلّم-:(ستَخرُجُ نارٌ من حَضرموتَ أو من نحوِ بحرِ حضرموتَ قبلَ يومِ القيامةِ تَحشُرُ النَّاسَ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، فما تأمُرُنا؟ فقالَ: عليكُم بالشَّامِ).

وهذه النار ليس الهدف منها إحراق الناس، وإنّما سَوقهم إلى مَحشرهم، فتبقى مُلازمة لهم ليلاً ونهاراً، تبيت معهم وترحل معهم، وتبقى هكذا حتى تَصل بهم إلى الشام، وقد ورد ذلك عن رسول الله بقوله:(ويَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ معهُمْ حَيْثُ قالُوا، وتَبِيتُ معهُمْ حَيْثُ باتُوا، وتُصْبِحُ معهُمْ حَيْثُ أصْبَحُوا، وتُمْسِي معهُمْ حَيْثُ أمْسَوْا).

الحكمة من إخفاء ميقات الساعة

يُعَدّ الإيمان باليوم الآخر أصلاً من أصول الإيمان؛ لقوله -تعالى-:(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).

وقد أكّد القرآن على وقوع الساعة في مواضع كثيرة بسياقات متعدّدة، ومنها قوله -تعالى-:(وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ).

إلّا أنّ الله لم يُطلِع أحداً على وقتها، لا نبيّاً مُرسَلاً، ولا مَلَكاً مُقرَّباً؛ فهي من الأمور الغيبيّة الخمسة التي تُعَدّ من مكنونات علم الله؛ إذ قال -تعالى-:(إِنَّ اللَّـهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

وحكمة الله عظيمة في إخفاء وقت الساعة؛ حيث إنّ النفس البشريّة مجبولة على الترقُّب المُستَمرّ لكلّ ما هو مجهول، خاصّة إذا كان هذا المجهول أمراً عظيماً واقعاً لا محالة، فتبقى حذرة مُستعِدّة، فتَصلُح وتستقيم، أمّا من فسدت فطرته فإنّه يغفل عن حقيقة وقوع الساعة، فيتّبع هواه ويَضِلّ. وعلى الرغم من أنّ الله قد أخفى وقت الساعة، إلّا أنّه أنذر في كتابه العزيز باقتراب وقتها، إذ قال:(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ)؛ فهي قريبة بتقدير الله لا بمقاييس البشر، فقد قال -تعالى-:(إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا* وَنَرَاهُ قَرِيبًا).

أخفى الله وقت الساعة عن جميع خلقه، فلا يعلم وقتها إلا هو سبحانه؛ وفي ذلك حكمة بالغة بأن يُصلح المرء نفسه ويستقيم لأن الساعة آتية لا محالة.

Exit mobile version