فهرس المحتويات
أسباب تفشي الاستجداء
الاستجداء يُعدّ من الآفات الاجتماعية الخطيرة التي تفتك بالمجتمعات، وتحولها إلى هياكل واهنة تعاني من الضعف والوهن. إنه داء عضال لم يتم اكتشاف علاج ناجع له حتى الآن، داء يرزح تحته الكثير من المجتمعات ويعانون من تبعاته.
تتعدد الأسباب التي تؤدي إلى تفشي الاستجداء، ولكن قبل الخوض في هذه الأسباب، يجب توضيح مفهوم الاستجداء نفسه: هو طلب المال والمساعدات من الآخرين بصورة مستمرة، دون وجود حياء أو خجل يمنع الشخص من ذلك. هذا السلوك يعتبر من الصفات الذميمة في الشريعة الإسلامية والأعراف الاجتماعية. وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيمن يطلب مالًا أو يسأل النّاس حاجته متسوِّلًا إياهم: “ما يَزالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حتَّى يَأْتِيَ يَومَ القِيامَةِ وليسَ في وجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ”.
من الأسباب الرئيسية للاستجداء، نجد الكسل والاتكالية المتجذرة في النفوس الضعيفة. الشخص الذي يعتاد على سؤال الناس دون بذل أي مجهود لتحصيل رزقه، سيجد مع مرور الوقت أن هذا الأمر سهل ومريح، ولا يتطلب منه سوى بضع كلمات لاستدرار عطف الآخرين، وبعض الدعوات لمن يقدم له العون. ولكن من زاوية أخرى، يكون هذا الشخص قد قضى على إنسانيته وكرامته التي ميزه الله بها.
في كثير من الأحيان، يكون الاستجداء ناتجًا عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، بسبب الحروب والنزاعات، أو بسبب استيلاء فئة معينة من الناس على المساعدات التي كان من حق الشعب بأكمله. في هذه الحالة، يجد الفقير نفسه مضطرًا للاستجداء لتحقيق حاجاته الأساسية. وقد يكون الاستجداء نتيجة لإعاقة جسدية تمنع الشخص من العمل والكسب، فيلجأ إلى الاستجداء كحل بديل، رغم أن هذا الحل غير مقبول.
من بين الأسباب الخطيرة للاستجداء، نجد سوء التربية والثقافة التي تنشأ عليها الأجيال. فالجيل الذي يتربى على مفاهيم الذل والهوان، وعلى إراقة ماء الوجه من أجل الحصول على المال، سيكون عرضة للانخراط في الاستجداء.
الآثار المترتبة على الاستجداء
الاستجداء له آثار وخيمة على المجتمع وأفراده. المجتمعات التي ينتشر فيها الاستجداء تعاني من التخلف والجمود، وتتأخر عن اللحاق بركب الدول المتقدمة. الأفراد المتسولون يصبحون عالة على مجتمعاتهم، ولا يقدمون أي شيء إيجابي للمجتمع.
الاستجداء غالبًا ما يؤدي إلى الانحراف الأخلاقي للمتسول، حيث يلجأ إلى تعاطي المخدرات والمسكرات هربًا من واقعه المرير. كما أن نسبة كبيرة من المتسولين هم من الأطفال الذين تركوا مقاعد الدراسة، مما يؤدي إلى التسرب الدراسي وتخلف المجتمع.
الاستجداء قد يؤدي إلى جرائم خطيرة، مثل السرقة والقتل. فقد سمعنا عن متسولين دخلوا البيوت وسرقوا وقتلوا أصحابها. كما أن الاستجداء يترك انطباعًا سلبيًا في عيون الزوار والسياح، خاصة في أوقات الأعياد والمناسبات الدينية.
الاستجداء يؤدي إلى اضطهاد الأطفال وانتهاك حقوقهم، من خلال إجبارهم على العمل في الاستجداء أو بيع المنتجات البسيطة. كما أن الأطفال المتسولين يتعرضون للأمراض المزمنة نتيجة لتعرضهم للأجواء القذرة. نفسية هؤلاء الأطفال تصبح محطمة بسبب العنف والإهانة التي يتعرضون لها.
الاستجداء: حاجة أم استغلال؟
عندما نرى متسولًا في الطريق، غالبًا ما نتساءل: هل هو حقًا بحاجة إلى المساعدة، أم أنه يستغل عطف الناس للحصول على المال؟ الإسلام يحث على صون كرامة الإنسان وإبعاده عن الذل والهوان، والاستجداء هو طريق يؤدي إلى إهدار الكرامة الإنسانية.
مهما كانت حاجة الإنسان، يجب عليه أن يعمل ويكسب رزقه بجهده، ولا يكون عالة على الآخرين. وقد وجه النبي -عليه الصلاة والسلام- الرجل الذي جاءه يطلب المعونة، ودله على العمل بقطع الأخشاب والأكل من عائدها. ثم قال -عليه الصلاة والسلام- في النهي عن طلب النّاس واستطعامهم: “لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا، فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ”. هذا الحديث يدل على أنه لا يجوز للشخص القادر على العمل أن يتسول.
الاستجداء غالبًا ما يكون استغلالًا لعطف الناس، من خلال ذرف الدموع والإلحاح في الطلب للحصول على المال. هذا السلوك ينتهي بالشخص إلى التخلي عن كرامته الإنسانية. كما أن الاستجداء قد يدفع الشخص إلى الحلف كذبًا لإثبات فقره وعوزه.
أساليب لمكافحة الاستجداء
يجب مكافحة الاستجداء بكل الوسائل الممكنة، لأنه يظهر المجتمع بمظهر الذل بين المجتمعات الأخرى. يجب التوجه إلى الأسباب الجذرية للاستجداء، مثل تفكك الأسر، والعمل على توعية الأسر حول مخاطر الاستجداء.
يجب على الدولة أن تستخدم وسائل الإعلام لتوعية المواطنين حول أضرار الاستجداء، وتحذيرهم من إعطاء المال للمتسولين. يجب نشر القصص التي تخدم هذا الهدف، مثل قصة الرجل اليهودي الذي كان يكرم الطفل العربي المتسول ويضربه الطفل اليهودي المتسول، بهدف بناء جيل عربي اتكالي ومهزوز الشخصية.
يجب على الأغنياء أن يدفعوا زكاة أموالهم للفقراء، وعلى الدولة أن توفر فرص عمل للفقراء وتوفر لهم مقاعد الدراسة. يجب توفير الرعاية الصحية للعجزة والمسنين لكي لا يضطروا إلى الاستجداء. كما يجب الاهتمام بارتفاع أسعار المواد الغذائية وتخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين.
إذا استطاعت الدولة تحقيق هذه الأمور، فستنشأ مجتمعًا صالحًا بعيدًا عن الذل وخاليًا من الأمراض النفسية التي يسببها الاستجداء.
المصادر
- رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:1040، حديث صحيح.
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم:2074، حديث صحيح.








