تمهيد
تعتبر محبة الصالحين والأخيار من علامات الإيمان وسمات المتقين. فالقلب المؤمن ينجذب إلى أهل الفضل والصلاح، ويتمنى أن يكون مثلهم في أعمالهم وأخلاقهم. ولكن قد يعتري الإنسان شعور بالتقصير والقصور عن بلوغ منزلتهم الرفيعة، فيظل يحبهم ويتمنى أن يكون معهم، معترفًا بضعفه ونقصه.
تفسير معنى “أحب الصالحين ولست منهم”
تُنسب الأبيات التالية إلى الإمام الشافعي، وهو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي، مؤسس المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي. ولد عام 150 هـ وتوفي عام 204 هـ. وقد عُرف عنه هذان البيتان اللذان يعبران عن محبة الصالحين:
أُحِبُّ الصالِحينَ وَلَستُ مِنهُم
لَعَلّي أَن أَنالَ بِهِم شفاعة
وَأَكرَهُ مَن تِجارَتُهُ المَعاصي
وَلَو كُنّا سَواءً في البضاعة
يشير الإمام الشافعي في هذه الأبيات إلى أنه مع إعجابه بالصالحين ومودته لهم، إلا أنه يرى نفسه قاصرًا عن الوصول إلى مرتبتهم في العمل الصالح والتقوى. لكنه يتشبث بحبهم ورجاء شفاعتهم يوم القيامة. كما يعبر عن كراهيته لأهل المعاصي والذنوب، حتى لو كان حاله مثل حالهم في الوقوع في بعض المخالفات. فالأصل هو بغض المعصية لا الفرح بها.
إنّ الشافعي هنا يظهر تواضعًا جمًا، فهو مع علمه وفضله، يرى نفسه مقصرًا، وهذا دليل على عظمته ورفعة أخلاقه.
تحليل لغوي لبيت الشعر
فيما يلي تحليل إعرابي لأبيات الشافعي:
أُحِبُّ الصالِحينَ وَلَستُ مِنهُم:::لَعَلّي أَن أَنالَ بِهِم شفاعة
- أحبُّ: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا.
- الصالحين: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء، لأنه جمع مذكر سالم.
- ولستُ: الواو استئنافية، لا محل لها من الإعراب، لستُ: فعل ماضٍ ناقص مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني في محل رفع اسم ليس.
- منهم: من حرف جر، هم ضمير متصل مبني في محل جر بحرف الجر.
- لعلي: لعل حرف ناسخ مبني على الفتح، والياء: ياء المتكلم، ضمير متصل مبني في محل نصب اسم لعلّ.
- أن: حرف مصدري ونصب، مبني على السكون.
- أنال: فعل مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، والمصدر المؤول (أن أنال) في محل رفع خبر لعلّ.
- بهم: الباء حرف جر، هم: ضمير متصل مبني في محل جر بحرف الجر.
- شفاعةً: مفعول به منصوب وعلامة نصبه تنوين الفتح، وجملة لستُ منهم استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وَأَكرَهُ مَن تِجارَتُهُ المَعاصيوَلَو كُنّا سَواءً في البضاعة
- وأكرهُ: الواو حرف عطف على جملة أحبُّ الصالحين، أكرهُ: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، والجملة معطوفةعلى جملة أحبُّ الصالحين لا محل لها من الإعراب.
- من: اسم موصول مبني على السكون، في محل نصب مفعول به.
- تجارته: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
- المعاصي: خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة منع من ظهورها الثقل، والجملة الاسمية جملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
- ولو: الواو استئنافية، لو حرف شرط لا محل له من الإعراب.
- كنّا: فعل ماضي ناقص مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك. نا: ضمير متصل مبني في محل رفع اسم كانَ.
- سواءً: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
- في: حرف جرمبني لا محلّ له من الإعراب.
- البضاعة: اسم مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
أشعار في محبة الصالحين وذكرهم
تتعدد القصائد والأشعار التي تعبر عن محبة الصالحين والأولياء، وذكرهم بالخير والثناء عليهم. ففي ذكرهم حياة للقلوب، واقتداء بأفعالهم. ومن هذه الأشعار:
قال ابن زاكور في قصيدة يا سادتي أولياء الله:
يَا سَادَتِي أَوْلِيَاءَ الله
رِقُّوا لِعَبْدٍ أَتَاكُمْ وَاهِمُ
سْتَشْفِعًا بِالْهَاشِمِيِّ الْمُصْطَفَى
وَالآلِ وَالصَّحْبِ الْعِظَامِ الْجَاهِ
قال عبد الغفار الأخرس في قصيدته نعم أنتم البحر الخضمُّ لوارد:
نعم أنتم البحر الخضمُّ لوارد
وأينَ من البحر الخضم الضحاضح
منحت الذين استمطروك مكارمًا
وكل كريم بالمكارم مانح
ليأْمَنَ في أيّامك الغرّ خائفٌ
ويصدَح في روض البشارة صادح
فخذها لدى علياك أول مدحة
ولي فيكم من قبل هذا مدائح
قال ابن زاكور في قصيدته أُهدي السلام لخيرِ مرءِ:
أُهْدِي السَّلاَمَ لِخَيْرِ مَرْءِ
أَهْدَى لَهُ اللهُ خَيْرَ بُرْءِ
يُفْدِيكَ يَا خَيْرَ مَنْ يُفَدَّى
مِمَّا عَرَى كُلُّ رَبِّ شيء
لَقَدْ رَجَوْتُ لَكُمْ شِفَاءً
يَبْدَأُ زَهْوَكَ خَيْرَ بَدْءِ
قال صالح مجدي بك في قصيدتهِ بِعلياك عيد الفطر قَد زادَ سَعدُهُ:
بِعلياك عيد الفطر قَد زادَ سَعدُهُ
وهنَّاك فيهِ بِالمسَرّة مَجدُهُ
وَأَعرب عَما في الضَمير لِسانه
بِنَظم مَديح فيك قَد طابَ نَدُّهُ
لِأَنك في دين المُروءة راغب
وَإِنك لَيث يَزدري الغَيثَ رفده
فَلا زالت الأَوقات في مصر كُلِّها
لنا بكَ عيدًا فيك يَزداد ودّه
وَيُنشدك الإِقبال فيهِ مؤرخًا
أَضاءَ بإسماعيل في العيد حمده








