تمهيد
الحمد لله رب العباد، حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله ملء السماوات والأرض، الحمد لله عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ونشهد أن سيدنا محمدًا عبدُه ورسولُه، خاتم الأنبياء والمرسلين، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
توصية بتقوى المولى عز وجل
أيها الإخوة الكرام، أوصيكم ونفسي الضعيفة بتقوى الله في السر والعلن، فهي الحصن الحصين والسبيل الأمين إلى رضا الرحمن والفوز بالجنان. فتقوى الله هي وصية الله للأولين والآخرين، وهي جماع الخير كله. اتقوا الله عباد الله، واستمسكوا بدينكم، واعملوا صالحاً، فإنكم إلى الله راجعون. يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا).
القسم الأول
أيها الإخوة المؤمنون، نتحدث اليوم عن معنى عظيم من معاني الإسلام، وقيمة رفيعة من قيمه، ألا وهي الأخوة في الله. إنها الرابطة التي تجمع بين القلوب، وتوحد بين النفوس، وتجعل من المسلمين جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. إن الأخوة في الله ليست مجرد كلمات تقال، أو شعارات ترفع، بل هي واقع معاش، وسلوك ملموس، وتضحية متبادلة. لقد جعل الله -عز وجل- الأخوة الإيمانية من أبرز صفات المؤمنين، فقال سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ). هذه الآية الكريمة ترسم لنا معالم الطريق، وتوضح لنا أهمية هذه الرابطة في بناء مجتمع إسلامي قوي ومتماسك.
إن للأخوة في الله ثماراً يانعة، وفوائد جمة، منها:
- نيل محبة الله ورضوانه.
- الفوز بالجنة والنجاة من النار.
- الشعور بالأمن والاستقرار في الدنيا والآخرة.
- التخفيف من أعباء الحياة ومصاعبها.
- تقوية المجتمع الإسلامي وتماسكه.
وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم المتحابين في الله بظل الرحمن يوم القيامة، في يوم شديد الهول والكرب، حيث لا ظل إلا ظله. ففي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: “سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ في خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسْجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ”. فما أعظمها من بشرى، وما أكرمه من فضل!
ولكن هذه الأخوة لا تتحقق إلا بشروط، ولا تدوم إلا بأسباب، منها:
- المحبة الخالصة لوجه الله تعالى.
- التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- التسامح والعفو عند الزلة والخطأ.
- الدعاء بظهر الغيب.
- التعاون على البر والتقوى.
القسم الثاني
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة خير الأنام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير من صلى وصام. عباد الله، إن من أبرز المشاكل التي تعاني منها أمتنا اليوم: ضعف رابطة الأخوة في الله، والتناحر والتباغض بين أبنائها. لقد نسي الكثيرون منا تعاليم ديننا الحنيف، وتخلوا عن قيمه السمحة، فأصبحنا أشتاتاً متفرقة، وأهواءً متباينة. إن الناظر إلى تاريخ أمتنا يرى أن قوتها وعزتها كانت دائماً في وحدتها وتماسكها، وفي تآخيها وتراحمها. لقد كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم نموذجاً فريداً في الأخوة والإيثار، فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فتقاسموا المال والمسكن، وتحملوا الشدائد معاً، فكانوا خير أمة أخرجت للناس.
فعلينا أن نقتدي بهم، وأن نسعى جاهدين لتقوية رابطة الأخوة في الله بيننا، وأن نتجاوز خلافاتنا، وأن ننبذ عصبياتنا، وأن نتوحد على كلمة الحق، وأن نتعاون على ما فيه خير أمتنا وصلاحها. فبالأخوة الصادقة نستطيع أن نواجه التحديات، وأن نحقق الانتصارات، وأن نبني مستقبلاً مشرقاً لأجيالنا القادمة. نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا من عباده المخلصين.
تضرع وابتهال
اللهم إنا نسألك باسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت، أن تغفر لنا ذنوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن ترحم ضعفنا، وأن تجبر كسرنا، وأن تعيننا على طاعتك، وأن ترزقنا الإخلاص في القول والعمل. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، ووحد كلمتهم، واجمع شملهم، وانصرهم على أعدائهم. اللهم اهد شباب المسلمين، وثبتهم على دينك، وجنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ). اللهم (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). اللهم “ربِّ اغفِرْ لي خطيئتي يومَ الدِّينِ”. عباد الله، اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة.
المصادر
- القرآن الكريم
- صحيح البخاري
- السلسلة الصحيحة للألباني








