مقالة عن أيام التشريق وفضائلها

تعرف على أيام التشريق، فضلها، الأعمال المستحبة فيها، وما ورد في الكتاب والسنة النبوية المطهرة عن هذه الأيام المباركة.

تمهيد عن أيام التشريق

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبتوفيقه تتحقق المقاصد والغايات. نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه. نستنصره ونتوكل عليه. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. جعل الله لنا مواسم للخير، وأوقاتًا للطاعة، ومن بين هذه الأوقات أيام التشريق، وهي أيام عظيمة القدر، جليلة الأثر، تضاعف فيها الحسنات، وتغفر فيها السيئات.

نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، النبي الأمين، الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الحث على تقوى الله جل وعلا

أيها المؤمنون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل في السر والعلن، وأدعوكم إلى مراقبته في جميع الأحوال. التقوى هي خير زاد، وهي الأمان من كل هول، وهي سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة. فلنجعل تقوى الله نبراسًا يضيء لنا دروبنا، ومنهاجًا نسير عليه في حياتنا.

قال -تعالى-: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
وقال -تعالى-: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).

نظرة في فضل أيام التشريق

إخوة الإيمان، إن أيام التشريق هي الأيام المعدودات التي قال الله -سبحانه وتعالى- فيها: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ). وهي أيام منى التي حث الله -عز وجل- عباده على الإكثار من ذكره فيها، وذلك لعظيم فضلها، وكثرة الأجر والثواب فيها.

جاء في الحديث الصحيح: (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ. [وفي رواية: زاد فيه «وذكرٍ لله»]). فهي أيام فرح وسرور، ونعمة من الله -تعالى-، ولا يجوز صيامها. وقد حث النبي -صلى الله عليه وسلم- على الإكثار من ذكر الله في هذه الأيام، ويكون الذكر والتكبير فيها مقيدًا بعد السلام من الصلوات المفروضة، وهو قول: “الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد”.

ما أسعد من وفقه الله للحج في هذه الأيام المباركة، ووقف بالمشاعر المقدسة، وطاف بالبيت العتيق، وسعى بين الصفا والمروة، ورمى الجمرات، وأدى المناسك العظيمة! نسأل الله أن يكتب لنا الحج ويعيننا على ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه. كان ابن عمر يكبر في منى فيسمعه الناس فيكبرون بتكبيره حتى ترتج منى بتكبيرهم.

قال -تعالى-: (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ* وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

كما استحب السلف الصالح للحاج أن يكثر في هذه الأيام من قول: “رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ”، لما في هذا الدعاء من الخير الكثير، فهو يجمع بين خيري الدنيا والآخرة. في هذه الأيام يجتمع للمؤمنين النعيم في أبدانهم بالأكل والشرب، والنعيم في قلوبهم بكثرة ذكرهم وشكرهم لربهم، وبذلك تتم عليهم نعمة الله. وقد وصفها الله -تعالى- بالأيام المعدودات لقلة عددها، فلنسارع إلى اغتنامها بالطاعات والتوجه إلى خالقنا -سبحانه وتعالى-.

أعمال مُستحبة في أيام التشريق

يا عباد الله، إن ذكر الله هو الحياة الحقيقية للروح، والسعادة الحقيقية للنفس، به يرتقي العبد إلى خالقه، وبه يتقوى على طاعته.

قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا).
وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الذكر من أفضل الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى ربه. قال -صلى الله عليه وسلم-: (ألا أنبِّئُكُم بخيرِ أعمالِكُم، وأزكاها عندَ مليكِكُم، وأرفعِها في درجاتِكُم وخيرٌ لَكُم مِن إنفاقِ الذَّهبِ والورِقِ، وخيرٌ لَكُم من أن تلقَوا عدوَّكُم فتضرِبوا أعناقَهُم ويضربوا أعناقَكُم؟ قالوا: بلَى، قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ -تَعالى- قالَ معاذُ بنُ جبلٍ: ما شَيءٌ أنجى مِن عذابِ اللَّهِ من ذِكْرِ اللَّهِ). حث الإسلام على ذكر الله في هذه الأيام؛ لما لها من فضل وشرف وتميز عن باقي أيام العام.

إخوتي، أيام التشريق هي أربعة أيام؛ تبدأ من يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وهو قول ابن عباس. وقيل إنها ثلاثة أيام وتبدأ بعد يوم النحر، وعليه فيكون يوم العيد ليس منها، وهذا قول ابن عمر، وذلك لعدم جواز التعجل للحاج في ثاني أيام العيد، ولو كان يوم العيد منها لجاز له التعجل. لذلك تكون أيام التشريق ثلاثة أيام تبدأ من ثاني أيام النحر. ويسمى اليوم الأول منها بيوم القر؛ لأن الحاج يقر فيه بمنى، وهو أفضل أيام السنة بعد يوم النحر، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أعظمُ الأيامِ عند اللهِ يومُ النَّحرِ، ثم يومُ القُرِّ). نالت أيام التشريق هذه المنزلة العظيمة؛ لقربها من أيام العشر الأول من ذي الحجة، ويقع فيها ركن من أركان الإسلام، وهو الحج إلى بيت الله الحرام.

يستحب في أيام التشريق الأكل والشرب، وإظهار الفرح والسرور، وتوسعة المسلم على أهل بيته، وخاصة في أكل اللحم، مع الابتعاد عن الإسراف والتبذير، ويكون الذكر في جميع الأوقات والأحوال، ويتأكد بعد الصلاة المفروضة، ويستمر التكبير فيها إلى عصر آخر يوم منها. شكر الله في هذه الأيام يكون بذكره، والابتعاد عن معصيته، والاستعانة بالأكل والشرب على الذكر. ومن استعان بنعم الله على معصيته فقد كفر بنعمة الله.

قال بعض العلماء: إذا نسي المسلم التكبير بعد الصلاة، فإنه يسن له قضاء ذلك. ويسن للمسلم الإكثار من التكبير، سواء في بيته أو في السوق أو في المسجد؛ لما في ذلك من تعظيم لله وشعائره، وإجلاله، وإظهار شعائره. كما يسن شكر الله على ما أنعم به علينا من الأكل من لحوم الأنعام، ومن شكره إطعام الآخرين منها، لقوله -تعالى-: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). وذلك للاستعانة بها على طاعة الله.

اتفق فقهاء الأمصار على حرمة صيام هذه الأيام ولو كان تطوعاً، بينما يرى جمهور الفقهاء والمحدثين كراهة صيامها؛ لأنها من أيام العيد. وأعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه في أيام التشريق هو اتباع سنة الخليلين إبراهيم ومحمد -عليهما الصلاة والسلام-، وهي الأضحية. وقد جاءت مشروعيتها في الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله -تعالى-: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ). فلنحرص جميعاً على أن نقضي أوقاتنا بذكر ربنا، وشكره، وطاعته في هذه الأيام المباركة. تتضاعف الأجور في هذه الأيام؛ لأنها في الغالب أيام يغفل عنها الناس، والعبادة في أوقات الغفلة تكون أفضل من غيرها. فاشكروا ربكم على أن أحياكم لإدراك هذه الأيام، وتزودوا فيها من الصالحات، واغتنموها بالطاعات.

الدعاء والابتهال إلى الله

اللهم تقبل منا صالح أعمالنا، وبلغنا يوم عرفة وأيام التشريق ونحن في أفضل حال. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على أعدائنا. اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لنا مغفرة من عندك، وارحمنا، إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم كفر عنا سيائتنا، وأقل عثراتنا، وضاعف حسناتنا، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقا معصوماً، ولا تجعل فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، ربنا اغفر وارحم، وتجاوز عما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم. اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، واجعله شافعًا وحجة لنا يوم القيامة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصادر والمراجع

  • عبد الرحمن بن معلا اللويحق (1419)، موضوعات خطبة الجمعة.
  • زين الدين الحنبلي (2004)، جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم.
  • أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر (2002)، تفسير القرآن.
  • الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، مجلة البحوث الإسلامية.
  • صالح الفوزان (19-4-2010)، “في فضل أيام التشريق”، ملتقى الخطباء.
  • صالح الفوزان (19-4-2010)، “في فضل أيام التشريق”، ملتقى الخطباء.
  • صالح الفوزان (19-4-2010)، “في فضل أيام التشريق”، ملتقى الخطباء.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

مكانة الصلاة وأثرها

المقال التالي

أهمية الجودة والإحسان في العمل بمنظور إسلامي

مقالات مشابهة

التوكل على الله: سبيل السعادة والنجاح

استكشف أهمية التوكل على الله في جوانب الحياة المختلفة، من الرزق والزواج إلى الدراسة وحفظ الأبناء. نصائح عملية ورسائل ملهمة لتقوية علاقتك بالله و تحقيق النجاح والطمأنينة.
إقرأ المزيد