معنى ودلالات آية (يتخبطه الشيطان من المس)

استكشاف معاني آية (يتخبطه الشيطان من المس) وتفسيرها. نظرة فقهية للآية وأهم الدروس المستفادة منها.

شرح وتأويل قوله تعالى: (يتخبطه الشيطان من المس)

يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البقرة: 275). هذه الآية تتضمن تحذيراً شديداً لآكلي الربا، وتصف حالتهم يوم القيامة.

تفسير الجزء الأول من الآية: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)

تشير هذه الجزئية إلى أن الذين يتعاملون بالربا، وهو الزيادة المشروطة على أصل الدين مقابل التأجيل، سيُبعثون يوم القيامة في حالة فزع واضطراب شديدين. فهم يقومون من قبورهم كالمجنون الذي يتخبطه الشيطان، أي يصرعه ويوقعه أرضاً بشكل غير منتظم. والتخبط هنا كناية عن عدم الاستقرار والفوضى التي تصيبهم نتيجة لما اكتسبوه من المال الحرام. المس هنا يعني الجنون أو الخبل الذي يصيب الإنسان نتيجة مس الشيطان.

تفسير الجزء الثاني من الآية: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)

يُبين الله سبحانه وتعالى سبب هذا المصير السيئ لآكلي الربا، وهو قياسهم الخاطئ بين البيع والربا. لقد زعموا أن البيع والربا متشابهان في كونهما يحققان منفعة لطرفي المعاملة، وبالتالي فالربا حلال مثل البيع. وهذا القياس باطل، لأنه يتجاهل الفروق الجوهرية بينهما.

تفسير الجزء الثالث من الآية: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)

هذا الجزء من الآية هو رد قاطع من الله عز وجل على استدلالهم الفاسد. فالله تعالى بين أن البيع والربا ليسا سواء، وأنه أحل البيع لما فيه من مصالح عامة للناس، وحرم الربا لما فيه من ظلم واستغلال للضعفاء. البيع يقوم على تبادل المنافع بالتراضي، بينما الربا يقوم على استغلال حاجة المحتاج وزيادة ثروة الغني على حساب الفقير.

تفسير الجزء الرابع من الآية: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ)

هذا الجزء يحمل بشارة للمذنبين، فمن بلغه التحريم وترك الربا توبةً إلى الله، فإن الله يغفر له ما مضى من تعاملاته الربوية قبل التحريم. أما ما يتعلق بحسابه وجزائه في الآخرة، فهو موكول إلى الله عز وجل، يفعل به ما يشاء.

تفسير الجزء الخامس من الآية: (وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)

هذا الجزء يحمل وعيداً شديداً لمن استمر في التعامل بالربا بعد أن علم بتحريمه، فهؤلاء هم أهل النار، وسيخلدون فيها. وهذا يدل على عظم جريمة الربا وخطورتها في الإسلام.

الأحكام الشرعية المستنبطة من الآية الكريمة

تحمل هذه الآية دلالات وأحكام فقهية هامة، منها:

  • تحريم الربا المطلق: الربا محرم تحريماً قاطعاً في الشريعة الإسلامية، ولا يجوز التعامل به بأي شكل من الأشكال. وقد وردت نصوص كثيرة في القرآن والسنة تؤكد هذا التحريم. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (البقرة: 278).
  • الربا من كبائر الذنوب: التعامل بالربا من كبائر الذنوب التي تستوجب العقاب الشديد في الدنيا والآخرة.
  • اللعن على آكل الربا ومن يعينه: ورد في الحديث النبوي الشريف لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، مما يدل على عظم هذه الجريمة. عن جابر، قال: لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه وقال: هم سواء (رواه مسلم).

إرشادات وفوائد مستخلصة من الآية

تتضمن هذه الآية الكريمة العديد من الإرشادات والفوائد، منها:

  • التمييز بين الحلال والحرام: يجب على المسلم أن يحرص على التمييز بين ما أحله الله وما حرمه، وأن يلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية في جميع تعاملاته.
  • التحذير من عواقب الربا: الربا له عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع، فهو يؤدي إلى الظلم والاستغلال وانتشار الفقر.
  • فضل التوبة والاستغفار: الله تعالى يقبل توبة التائبين ويغفر لهم ذنوبهم، فعلى المسلم أن يبادر إلى التوبة إذا وقع في معصية.
  • لا تشابه بين البيع والربا: البيع حلال ومفيد للمجتمع، والربا حرام وضار.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

نظرة عامة على تفسير سورة البقرة

المقال التالي

دلالات أكل لحم التمساح في الأحلام وتفسيراته المختلفة

مقالات مشابهة

نظرة على تاريخ الدولة الأموية وفتراتها الزمنية

الدولة الأموية: نشأتها، وأهم مراحلها التاريخية. من التأسيس وعهد يزيد بن معاوية، إلى العصر الذهبي ثم فترة الضعف والانهيار. تعرف على أبرز الأحداث والشخصيات في تاريخ الدولة الأموية.
إقرأ المزيد