معنى الرضا بالله وأهميته

استكشاف مفهوم الرضا بالله عز وجل. كيفية تحقيق الرضا بأقدار الله المتنوعة والرضا بشريعته وأحكامه. تعرف على الآثار الإيجابية للرضا عن الله في حياة المسلم.

مقدمة في مفهوم الرضا بالله

الرضا في اللغة يعني القبول والاقتناع، وهو عكس السخط والاعتراض. أما في الاصطلاح الشرعي، فيتجسد الرضا في بعدين أساسيين: رضا الله سبحانه وتعالى عن عباده، ورضا العبد عن الله عز وجل. رضا الله عن عباده يتحقق من خلال امتثالهم لأوامره واجتناب نواهيه، بينما رضا العبد عن الله يتجلى في قبوله لقضائه وقدره.

عندما يرضى العبد عن الله، فإنه لا يجد في قلبه أي ضيق أو امتعاض تجاه ما يصيبه من أقدار، سواء كانت نِعمًا أو ابتلاءات. بل يستقبلها بصدر رحب واطمئنان، لعلمه بأن الله لن يخذله، وأن كل ما يأتيه هو لحكمة بالغة، إما لزيادة إيمانه وتثبيته، أو لتطهيره من الذنوب والخطايا.

قال تعالى: (رَضِيَ اللَّـهُ عَنهُم وَرَضوا عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنّاتٍ تَجري تَحتَهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها أَبَدًا ذلِكَ الفَوزُ العَظيمُ) [التوبة: 100].

يعتبر الرضا عن الله مرحلة متقدمة بعد التوكل عليه. فالتوكل هو تفويض الأمور إلى الله، أما الرضا فهو القبول بالنتائج التي يقدرها الله، سواء كانت موافقة لرغباتنا أم لا. فإن أعطى الله، قبلنا شاكرين، وإن منع، صبرنا واحتسبنا الأجر.

إن أهمية الرضا عن الله في القلب لا تقل عن أهمية الأعمال الظاهرة. بل إن البعض يرى أن الرضا هو ذروة الإيمان، وأنه لا يكتمل إلا به. فالرضا يمنح القلب سكينة وطمأنينة لا يجدها في شيء آخر.

سبل تحقيق الرضا عن الله

يمكن تحقيق الرضا عن الله من خلال أمرين رئيسيين: الرضا بأقدار الله المتنوعة، والرضا بشريعته وأحكامه. وسنتناول كل منهما بشيء من التفصيل:

القبول بأقدار الله وقضائه

يتجلى الرضا بأقدار الله في عدة مظاهر، منها:

  • الإيمان بأن القضاء والقدر من أركان الإيمان: فالرضا بالقضاء والقدر واجب شرعًا، وهو شرط لتحقيق الإيمان بالله. قال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65].
  • اليقين بأن كل ما يصيب المؤمن هو خير له: فعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له) [مسلم].
  • الرضا فرع عن الإيمان بربوبية الله: فعن العباس -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا) [مسلم]. والربوبية تعني إفراد الله بالثقة والاستغاثة والدعاء.
  • الدعاء بالرضا بالقضاء: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو الله أن يرزقه الرضا بالقضاء، فكان من دعائه: (أسألُكَ كلمةَ الحقِّ في الرِّضا والغضَبِ وأسألُكَ القصدَ في الفقرِ والغنى وأسألُكَ نعيمًا لاَ ينفدُ وأسألُكَ قرَّةَ عينٍ لاَ تنقطعُ وأسألُكَ الرِّضاءَ بعدَ القضاءِ وأسألُكَ بَردَ العيشِ بعدَ الموتِ وأسألُكَ لذَّةَ النَّظرِ إلى وجْهكَ) [النسائي].
  • الاقتداء بالأنبياء في الرضا بالقضاء: لقد ابتلى الله سيدنا إبراهيم -عليه السلام- بذبح ولده إسماعيل -عليه السلام-، فاستسلما لأمر الله ورضيا بقضائه، حتى فرج الله عنهما الأمر.
  • الرضا بالقضاء يرفع منزلة العبد: فالمصائب هي اختبارات يرفع الله بها درجات المؤمنين في الجنة.

التسليم لشريعة الله وحكمه

يتجلى الرضا بشريعة الله وأحكامه في عدة أمور، منها:

  • الرضا بالله ربًا يوجب الرضا بأحكامه.
  • اتباع الأوامر واجتناب النواهي دليل على الرضا عن الله.
  • الرضا بالانقياد للشرع من كمال الإسلام.
  • الرضا باتباع شريعة الله باب من أبواب الاستسلام لأمر الله.

انعكاسات الرضا عن الله

للرضا عن الله آثار عظيمة تعود على الفرد والمجتمع، منها:

  • رضا الله عن العبد: فالجزاء من جنس العمل، فمن رضي بالله رضي الله عنه.
  • التبشير بالجنة: فالراضون عن الله موعودون بالجنة، كما قال تعالى في حق الصحابة الكرام: (رَضِيَ اللَّـهُ عَنهُم وَرَضوا عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنّاتٍ تَجري تَحتَهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها أَبَدًا ذلِكَ الفَوزُ العَظيمُ) [التوبة: 100].
  • عدم الاعتراض على قضاء الله: فالرضا يخلص المؤمن من السخط والاعتراض، ويمنحه الأمن والسكينة والطمأنينة.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

استشعار حكمة الله في تقسيم الأرزاق

المقال التالي

العناية بالحيوان: سلوكيات ومسؤوليات

مقالات مشابهة