مقدمة
تعتبر الشريعة الإسلامية منارة هدى للبشرية جمعاء، حيث وضعت أسسًا متينة للحفاظ على النفس البشرية وحمايتها من كل ما يهددها. ومن بين الآيات التي تجسد هذا المعنى بأجلى صوره، قوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). هذه الآية الكريمة تحمل في طياتها دلالات عميقة حول قيمة الحياة البشرية وعظم المسؤولية الملقاة على عاتق الإنسان تجاه أخيه الإنسان.
تأويل الآية الكريمة
توضح هذه الآية الكريمة عظم جريمة القتل بغير حق، وتبين أن من يرتكب هذه الجريمة الشنعاء فكأنما اعتدى على البشرية بأسرها. وفي المقابل، فإن من يسعى لإنقاذ نفس واحدة من الهلاك، فكأنما أنقذ البشرية بأكملها. وهذا يدل على أن الإسلام دين الرحمة والإنسانية، وأنه يحث على التعاون والتكافل بين الناس. لقد بيّن الإسلام أن من أعظم أنواع الإحسان هو العفو والصفح، وتخفيف الكربات عن المحتاجين، وإعانة الضعفاء.
تحذير الموجه لليهود في الآية
نزلت هذه الآية في بني إسرائيل، لكنها تحمل في طياتها تحذيراً عاماً لجميع الأمم والشعوب. فالله -عز وجل- حذر بني إسرائيل من مغبة قتل النفس بغير حق، وذلك لكونهم أول أمة نزل عليها هذا التحذير مكتوباً، بعد أن كان تحذيراً شفهياً في الأمم السابقة. وهذا يدل على أن الله -تعالى- أراد أن يغلظ الأمر على بني إسرائيل بسبب ظلمهم وتعديهم على حقوق الآخرين، وقتلهم الأنبياء والمرسلين بغير حق. لقد شدد الله العقوبة عليهم لكثرة تجاوزاتهم.
القتل بمثابة قتل البشرية جمعاء
إن القتل بغير حق جريمة عظيمة تستوجب أشد العقوبات، فالذي يقتل نفساً مؤمنة متعمداً، فإن الله -عز وجل- قد أعد له جهنم خالداً فيها، وغضب عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيما. وقد قال الله -تعالى-: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا). لذا يجب على المسلم أن يتقي الله في نفسه وفي الآخرين، وأن يحذر من الوقوع في هذه الجريمة النكراء. فالقتل بغير حق ليس فقط اعتداء على فرد واحد، بل هو اعتداء على المجتمع بأكمله.
إنقاذ حياة هو إنقاذ البشرية
إن إنقاذ حياة إنسان واحد هو بمثابة إنقاذ البشرية بأسرها. وهذا يدل على عظم الأجر والثواب الذي يناله من يسعى لإنقاذ الآخرين من الهلاك. وقد قال الله -تعالى-: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). وهذا يشمل الكف عن القتل، والعفو عن القاتل في حكم القصاص، وإنقاذ الأرواح من الهلاك، وتفريج الكربات عن الناس، وإرشادهم إلى طريق الهداية. فكل هذه الأعمال الصالحة هي بمثابة إحياء للنفوس، وهي سبب لنيل رضا الله ومحبته. ويمكن تفصيل هذا المعنى فيما يلي:
- الكف عن قتل النفس المحرم قتلها: فمن لم يقتل نفساً فقد استراح الناس منه وأمنوه، فكأنه أحيا الناس جميعاً، إشارة إلى أن الذي يَسلم الناس منه يرحمه الله ويعظم شأنه.
- العفو عن النفس في حكم القصاص: وقد أشار علماء التفسير إلى أنّ المعنى في إحياء النفس العفو عن القاتل بالخطأ، إشارة إلى أن العفو نور المؤاخاة بين الناس، فكأنه من عفى عن القاتل أحيا الناس جميعاً.
- استنقاذ نفسٍ من هلكة: الذي يُنقض أرواح الناس من الهلاك؛ كمن أنجاها من حرقٍ، أو غرقٍ، أو هلكةٍ، أو هدمٍ، أو أنقذ روحاً من جمرة الهوى فأرشدهم إلى طريق الهداية، وكذلك من كان همه تفريج كُربات الناس فكأنه أحيا الناس جميعا، وهنا إشارة إلى صفات المؤمن الهين اللين الذي يحبه الله ويحبه الناس.
المراجع
- سورة المائدة، آية:32
- شمس الدين القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، صفحة 146.
- إبن عاشور،التحرير والتنوير، صفحة 177.
- سورة النساء، آية:93
- شمس الدين القرطبي،الجامع لأحكام القرآن، صفحة 147.








