علامات الساعة في سورة الزلزلة
تتضمن سورة الزلزلة تصويراً مؤثراً لأهوال يوم القيامة وعلاماته. تبدأ السورة بوصف الزلزلة العظيمة التي ستصيب الأرض. وقد ذكر الله تعالى هذا المشهد في كتابه العزيز:
قال تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا* وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا* وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا* يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا* بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) [الزلزلة: 1-5].
في تفسير هذه الآيات، نجد أن:
- “إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا”: تدل على حركة عنيفة للأرض، واضطراب شديد يهز أركانها ويدمر كل ما عليها.
- “وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا”: تشير إلى إخراج الأرض لما في جوفها من كنوز ودفائن، وإخراج الموتى من القبور.
- “وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا”: تعبر عن دهشة الإنسان وفزعه من هول الزلزال، وتساؤله عن سبب هذا الحدث العظيم.
- “يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا”: تبين أن الأرض ستنطق بأمر الله، وتشهد على ما فعله الناس عليها من خير أو شر.
- “بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا”: توضح أن الله هو الذي ألهم الأرض وأذن لها بالكلام والشهادة.
هذه الآيات تصور لنا بداية الأحداث العظيمة التي ستقع في يوم القيامة، والتي تهز النفوس وتذكر الإنسان بقدرة الله وعظمته.
وصف خروج الناس من القبور
بعد الزلزلة العظيمة، يأتي مشهد آخر من مشاهد يوم القيامة، وهو خروج الناس من قبورهم للحساب. وقد وصف الله تعالى هذا المشهد في قوله:
قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) [الزلزلة: 6].
في هذا اليوم، يخرج الناس من قبورهم متفرقين، ومختلفين في الهيئة والحال. منهم المؤمن المطمئن، ومنهم الخائف الفزع. وسيرى كل إنسان عمله الذي عمله في الدنيا، وسيعرض عليه كتابه الذي سجلت فيه جميع أعماله.
إن خروج الناس من القبور هو بداية مرحلة جديدة، حيث يتم الحساب والجزاء، ويتبين مصير كل إنسان.
تتجسد هذه المرحلة في رؤية كل شخص لأعماله التي قام بها في الدنيا، سواء كانت خيرًا أو شرًا، صغيرة كانت أم كبيرة. هذا العرض الشامل يمهد الطريق للجزاء العادل الذي ينتظر كل فرد، حيث يتم تحديد مصيره بناءً على ما قدمه في حياته.
بيان جزاء الأعمال في السورة
تختتم سورة الزلزلة ببيان جزاء الأعمال، وتأكيد أن كل عمل مهما صغر سيجازى به صاحبه. قال تعالى:
قال تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة: 7-8].
هاتان الآيتان تحملان ترغيباً لأهل الخير، وترهيباً لأهل الشر، وتأكيداً على عدل الله في الجزاء. فالله لا يظلم مثقال ذرة، بل يجازي كل إنسان على عمله، سواء كان خيراً أو شراً.
المثقال هو ما يوزن به الشيء، والذرة هي أصغر ما يرى بالعين. والمعنى أن الله سيجازي الإنسان على كل عمل، مهما كان صغيراً أو تافهاً.
وقد ورد في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وصف هاتين الآيتين بأنهما جامعتان، حيث تجمعان معاني كثيرة في كلمتين موجزتين.
كما ورد أن سبب نزول هذه الآيات هو أن المسلمين خافوا ألا يكتب لهم أجر إذا تصدقوا بشيء قليل، وأن بعض الناس كانوا يستصغرون بعض الذنوب، فنزلت هذه الآيات لتبين أن كل عمل سيجازى به صاحبه.
وقد ثبت في صحيح البخاري أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- تكلّم عن أنواع الخيل الثلاثة وأنّها لرجلٍ أجر، ولرجلٍ ستر، ولرجلٍ وزر، ثمّ سُئل عن الحُمر -جمع حمار- فقال -عليه الصلاة والسلام-:(ما أُنْزِلَ عَلَيَّ فيها إلَّا هذِه الآيَةُ الجامِعَةُ الفاذَّةُ: (فمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).
كما ورد لهما سبب نزول؛ فقد ورد عن سعيد بن جبير -رحمه الله- أنّه لمّا نزل قوله -تعالى-:(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان: 8] خاف المسلمون ألّا يحصل لهم أجراً وألا يُكتب لهم ثواباً إذا ما تصدّقوا بشيءٍ قليل.
وفي المقابل هناك آخرون لا يلومون أنفسهم مع أنهم مُذنبون لكنهم يُعدونها ذنوباً صغيرةً بنظرهم مثل؛ الكذبة والغيبة والنظرة المحرّمة.
ويقولون إنّ الله -تعالى- جعل النار عقوبةً على الكبائر، لا على الصغائر، فنزلت هذه الآيات لتُبيّن أنّ أعمال الخير والشرّ تُكتب ويُجزى الإنسان عليها مهما صغرت.
إن سورة الزلزلة تذكرنا بأهوال يوم القيامة، وتحثنا على العمل الصالح، وتجنب الشر، والاستعداد للقاء الله.
