معاني آية (ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته)

فهم آية (ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته)

تأتي هذه الآية الكريمة:(ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)،[١] في سياق الآيات التي تتناول أحكام الطلاق والعدة. وتوضح أن هذه الأحكام ما هي إلا أوامر من الله تعالى، أرسلها إلى عباده لتطبيقها والعمل بها.

وتبين الآية أن من يخشى الله ويتقيه، ويظهر هذه الخشية بالالتزام بأوامره واجتناب نواهيه، فإن الله سيغفر له ذنوبه ويمحو سيئاته، ويضاعف له الحسنات والأجر في يوم القيامة. وهذا يشير إلى أن مضاعفة الأجر تفضي إلى دخول الجنة والخلود فيها.

رؤية الطبري في تفسير الآية

يوضح الإمام الطبري أن الآيات السابقة للآية الكريمة تتحدث عن أحكام الطلاق والرجعة والعدة. ويشير إلى أن الله تعالى يخبر في هذه الآية أن جميع الأحكام التي أنزلها وأخبر بها عباده، هي أمر منه تعالى أنزله من اللوح المحفوظ ليعملوا بها ويطبقوها.

ويضيف الطبري أن الله تعالى يبين أن كل من يخافه ويتقيه، ويظهر هذه الخشية بأداء الفرائض واجتناب المحرمات، فإنه سيغفر له ذنوبه وسيئاته، ويضاعف له حسناته ويجزيه الأجر العظيم يوم القيامة، مما يستوجب إدخاله الجنة وتخليده فيها.

تفسير ابن كثير للآية الكريمة

يذكر ابن كثير أن الله تعالى يخبر عن الأحكام التي تم الحديث عنها في الآيات السابقة بأنها شرعه الذي أنزله على عباده عن طريق رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-. ثم يوضح أن من يتقي الله من العباد، يذهب الله عنه المحذور ويجزيه الثواب والأجر على أعماله اليسيرة.

وبذلك يؤكد ابن كثير على أهمية تقوى الله في الحصول على الثواب الجزيل وتجنب العقاب.

تأملات القرطبي في معنى الآية

يشير القرطبي إلى أن ما سبق الحديث عنه من أحكام الطلاق هو أمر الله الذي أنزله على المسلمين وبينه لهم. ويخبر هؤلاء المسلمين بأن من يطيعه فيما أمر به، سيكون جزاؤه محو السيئات في الدنيا وإجزال العطاء في الآخرة.

كما أشار القرطبي إلى أن الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، تعد سببًا من أسباب تكفير الذنوب، وهي من الأعمال التي أمر الله بها، وذلك مصداقًا لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ).[٥]

تحليلات ابن عاشور للآية

يوضح ابن عاشور أن الأحكام السابقة التي تحدثت عنها الآيات السابقة، هي حكم الله وشرعه الذي شرعه وأنزلها على عباده، وأبلغها لهم بواسطة رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-. وقد أشار إلى أن التعبير عن إبلاغ القرآن الكريم والأحكام جاء بكلمة “أنزله” في قوله تعالى:(ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ)،[١] بيانًا لشرف معاني القرآن الكريم وألفاظه.

ويبين أن العمل بهذه الأحكام التي سطرتها أحرف القرآن الكريم والعمل بكل ما أمر الله به، سيكون سببًا من أسباب تكفير السيئات ومضاعفة الأجور.

قراءات متنوعة لآية (ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا)

ذكر العلماء ثلاث قراءات لكلمة “يعظم” في قول الله تعالى:(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا):[١]

  • القراءة الأولى: قراءة جمهور القراء بالياء، وهي كما جاءت في الآية الكريمة.
  • القراءة الثانية: قراءة الأعمش بالنون “ونعظم”، وذلك خروجًا من الغيبة إلى التكلم.
  • القراءة الثالثة: قراءة ابن المقسم بالياء والتشديد “يعظِّم”.

فوائد ولطائف مستخلصة من الآية

كما ذكرنا، الآيات التي سبقت هذه الآية تتحدث عن شأن المطلقات وأحكامهن وحقوقهن. وبما أن الطلاق غالبًا ما يأتي بعد كراهية الزوج لزوجته، فقد جاء الأمر من الله -عز وجل- للرجل بأن يتقيه بهن.

وتكون تقوى الله هنا بعدم الإضرار بالزوجة المطلقة، فلا يتحدث عنها بما يشينها أمام الخطاب الذين سيقبلون على الزواج منها، ولا يقوم بحرمانها من حقوقها التي أوجبها الله لها، من نفقة وسكنة وغير ذلك. وبالرغم من وجوب ذلك على الرجل، إلا أن الله قد رتب على هذه التقوى أجرًا عظيمًا وفضلًا كبيرًا، وهي تكفير السيئات وإعظام الأجر في الآخرة.

المصادر

  1. سورة الطلاق، آية:5
  2. أبو جعفر الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مكة المكرمة: دار التربية والتراث، صفحة 456، جزء 23. بتصرّف.
  3. إسماعيل بن عمر بن كثير (1999)، تفسير القرآن العظيم (الطبعة 2)، صفحة 152، جزء 8. بتصرّف.
  4. شمس الدين القرطبي (1964)، الجامع لأحكام القرآن (الطبعة 2)، القاهرة: دار الكتب المصرية، صفحة 165-166، جزء 18. بتصرّف.
  5. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:233، صحيح.
  6. محمد الطاهر بن عاشور (1984)، التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية للنشر، صفحة 324، جزء 28. بتصرّف.
  7. محمد الأمين بن عبد الله الأرمي (2001)، تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (الطبعة 1)، بيروت- لبنان: دار طوق النجاة، صفحة 421، جزء 29. بتصرّف.
  8. محمد علي الصابوني (1980)، روائع البيان تفسير آيات الأحكام (الطبعة 3)، دمشق: مكتبة الغزالي، صفحة 612، جزء 2. بتصرّف.
Exit mobile version