لطالما اعتبرت مضادات الأكسدة درعًا واقيًا ضد الأمراض، خاصة السرطان، بفضل قدرتها على محاربة الجذور الحرة. لكن ماذا لو انقلبت هذه المعادلة؟ دراسات حديثة بدأت تكشف وجهًا آخر لهذه المركبات، مشيرة إلى أنها قد لا تكون دائمًا الحليف الذي نتصوره، بل قد تزيد من خطر بعض أنواع السرطان.
هل تعيد هذه الاكتشافات الجديدة تعريف فهمنا لدور مضادات الأكسدة في صحتنا؟ دعنا نتعمق لنكشف التفاصيل المثيرة للقلق.
- ما هي مضادات الأكسدة؟
- الاكتشاف الصادم: مضادات الأكسدة والميلانوما
- نتائج الدراسة: الآلية المحتملة
- ليس فقط الميلانوما: ارتباطات بسرطانات أخرى
- النقاط الرئيسية والتوصيات
ما هي مضادات الأكسدة؟
تُعرف مضادات الأكسدة بأنها مواد كيميائية تعمل على تحييد الجذور الحرة الضارة في الجسم. هذه الجذور الحرة هي جزيئات غير مستقرة يمكن أن تلحق الضرر بالخلايا وتساهم في الشيخوخة والأمراض المزمنة، بما في ذلك السرطان.
لهذا السبب، لطالما تم الترويج لمضادات الأكسدة، سواء في الأطعمة الطبيعية مثل الفواكه والخضروات، أو في المكملات الغذائية، كوسيلة فعالة للوقاية من السرطان ودعم الصحة العامة. كان الاعتقاد السائد أنها تعمل كخط دفاع أساسي ضد تطور الخلايا السرطانية.
الاكتشاف الصادم: مضادات الأكسدة والميلانوما
على الرغم من الاعتقادات السائدة، بدأت الأبحاث الحديثة تلقي بظلال من الشك على الدور الوقائي المطلق لمضادات الأكسدة. فقد كشفت دراسة أجريت في جامعة غوتنبرغ بالسويد، ونشرت في مجلة Science Translational Medicine، عن نتائج مفاجئة.
أظهرت الدراسة التي أُجريت على الفئران وعلى خلايا بشرية مأخوذة من مرضى سرطان الجلد الخبيث (الميلانوما)، أن مضادات الأكسدة قد تسرع من انتشار هذا النوع من السرطان، بل وتضاعف من خطر الإصابة به. والميلانوما، وإن كان أقل شيوعًا بين سرطانات الجلد، إلا أنه الأكثر فتكًا.
في التجربة، تلقت مجموعة من الفئران المصابة بالميلانوما مكملات مضادات الأكسدة لمدة 80 يومًا. ونتيجة لذلك، لوحظت مضاعفة في عدد الأورام وانتشارها إلى الغدد الليمفاوية، مقارنة بالفئران المصابة التي لم تتلقَ هذه المكملات.
نتائج الدراسة: الآلية المحتملة
ما وجده الباحثون كان لافتًا؛ فبينما تعمل مضادات الأكسدة على حماية الخلايا السليمة من الضرر، يبدو أنها قد تفعل الشيء نفسه للخلايا السرطانية.
ففي حالة الميلانوما، زادت مضادات الأكسدة من قدرة الخلايا السرطانية على الانقسام والانتشار، مما يضاعف من خطر تطور المرض. هذا يشير إلى أن مضادات الأكسدة قد توفر بيئة حامية للخلايا السرطانية، مما يمكنها من البقاء والنمو.
بناءً على هذه النتائج، أوصى الباحثون مرضى السرطان بتجنب أي مكملات غذائية تحتوي على مضادات الأكسدة. كما نبهوا إلى ضرورة الانتباه للمستحضرات الجلدية التي قد تحتوي على مركبات مثل البيتا كاروتين، وفيتامين E، وفيتامين C، حيث يُفضل تجنبها.
ليس فقط الميلانوما: ارتباطات بسرطانات أخرى
هذه الدراسة لم تكن الوحيدة التي أشارت إلى الجانب السلبي المحتمل لمضادات الأكسدة في سياق السرطان. ففي عام 2014، وجدت دراسة أجرتها أكاديمية ساهلجرينسكا أن مضادات الأكسدة ساهمت في تطور سرطان الرئة لدى الفئران، وتم تأكيد نتائج مماثلة لاحقًا على البشر.
علاوة على ذلك، في دراسة أخرى شملت 36,000 رجل في منتصف العمر وبصحة جيدة، اكتشف الباحثون أن تناول مكملات فيتامين E لعدة سنوات كان مرتبطًا بزيادة خطر الإصابة بسرطان البروستاتا بنسبة 17%. هذه النتائج تثير تساؤلات جدية حول الاستخدام غير المدروس للمكملات الغذائية المحتوية على مضادات الأكسدة.
النقاط الرئيسية والتوصيات
من المهم جدًا الإشارة إلى أن جميع الدراسات المذكورة أعلاه ركزت على تأثير مضادات الأكسدة عندما تُؤخذ على شكل مكملات غذائية، وليس من مصادرها الطبيعية في الغذاء.
إذا كنت تفكر في تناول أي مكمل غذائي، وخاصةً إذا كنت مصابًا بالسرطان أو لديك تاريخ عائلي به، فمن الضروري استشارة طبيبك أولًا. فبينما قد تكون مضادات الأكسدة مفيدة لجسمك، يجب تناولها باعتدال ومن مصادرها الطبيعية.
العلم يتطور باستمرار، ونحن بحاجة ماسة إلى المزيد من الأبحاث لفهم الآليات الكاملة التي تؤثر بها مضادات الأكسدة على أنواع مختلفة من الخلايا السرطانية. حافظ دائمًا على مواكبة المستجدات العلمية واتبع نظامًا غذائيًا متوازنًا. تذكر أن الاعتدال هو مفتاح الصحة.
تغيرت نظرتنا لمضادات الأكسدة بشكل كبير. ما كنا نعتبره حماية مؤكدة، أصبح الآن يحمل بعض علامات الاستفهام. من الضروري أن نبقى على اطلاع وأن نتخذ قراراتنا الصحية بناءً على أحدث الأدلة العلمية، مع التركيز دائمًا على التوازن والاعتدال في كل ما نستهلكه.








