مقدمة
غالباً ما نسمع عن العثور على جهاز تسجيل بيانات الطيران في حطام الطائرات، أو عن معلومات مهمة تم استخلاصها منه لتحليل أسباب الحوادث. هذا الجهاز، المعروف شعبياً بـ “الصندوق الأسود”، يثير الكثير من التساؤلات حول طبيعته ووظيفته. والحقيقة أن هذا الجهاز ليس صندوقاً أسود اللون بالمعنى الحرفي، بل هو جهاز تسجيل بيانات لونه برتقالي أو أصفر، يُلزم القانون الدولي بوجوده في جميع الطائرات التجارية. يهدف هذا الجهاز إلى تسجيل بيانات الرحلة وظروفها أثناء الطيران، مما يساعد على فهم ملابسات الحوادث الجوية.
أصل تسمية مسجل بيانات الطيران
هناك عدة تفسيرات محتملة لأصل تسمية “الصندوق الأسود”. أحد هذه التفسيرات يربط التسمية بالكوارث الجوية وحوادث تحطم الطائرات، حيث يرتبط اللون الأسود غالباً بالحزن والمآسي. تفسير آخر يشير إلى أن مسجلات المعلومات الأولى كانت تتميز بلون داكن من الداخل لمنع تسرب الضوء الذي قد يؤدي إلى تلف شريط التسجيل، على غرار غرف التصوير الفوتوغرافي المظلمة. قيل أيضاً أن صحفياً خلال مقابلة مع الدكتور وارن أشار للجهاز قائلاً: “هذا صندوق أسود رائع”، فانتشر الاسم.
تطور مسجل بيانات الطيران
بدأت الجهود لتطوير جهاز لتسجيل بيانات الطيران في خمسينيات القرن العشرين، وذلك استجابة لحوادث تحطم طائرات شركة كوميت التي أثارت الشكوك حول مستقبل الطيران الجوي. كان الهدف هو ابتكار جهاز قادر على تحمل انفجار الطائرة، وتحطمها، واشتعال النيران بها، وأن يصمد في وجه السقوط من ارتفاعات شاهقة، والغمر في مياه المحيطات دون أن يتعرض للتلف. اقترح عالم الطيران الأسترالي ديفيد وارن فكرة صنع جهاز خاص لتسجيل تفاصيل كل رحلة مدنية.
كان الجهاز الأول الذي تم تصنيعه أكبر من حجم اليد، وكان قادراً على تسجيل حوالي أربع ساعات من المحادثات التي تجري في قمرة القيادة، بالإضافة إلى تفاصيل أداء أجزاء الطائرة المختلفة. ولكن الدكتور وارن واجه خيبة أمل كبيرة عندما رفضت سلطات الطيران الأسترالية تصميمه، معتبرة أنه غير مفيد في مجال الطيران المدني، وأطلقوا عليه لقب “الأخ الأكبر” الذي يتجسس على أحاديثهم. لم يستسلم الدكتور وارن، وقام بنقل تصميمه إلى بريطانيا، حيث لقي ترحيباً حاراً وتشجيعاً. بعد ذلك، قدمت إذاعة بي بي سي تقريراً عن الجهاز، وتهافتت الشركات لتقديم عروض لتطوير وتصنيع التصميم.
مهام مسجل بيانات الطيران
مسجل بيانات الطيران يتكون في الواقع من جهازين منفصلين. أحدهما مخصص لتسجيل البيانات الرقمية، والآخر لتسجيل الأصوات. هذان الجهازان يعملان معاً لتوفير صورة شاملة عن ظروف الرحلة.
- مسجل بيانات الرحلة (FDR): يقوم بتسجيل مجموعة واسعة من البيانات الرقمية، بما في ذلك الوقت، والسرعة، والارتفاع، والاتجاه، وأداء المحركات، وحالة أنظمة الطائرة المختلفة. تساعد هذه البيانات على إعادة بناء مسار الرحلة وتحديد أي أعطال أو مشاكل فنية قد تكون ساهمت في وقوع الحادث.
- مسجل صوت قمرة القيادة (CVR): يقوم بتسجيل جميع الأصوات التي تصدر في قمرة القيادة، بما في ذلك محادثات الطيارين، والاتصالات مع برج المراقبة، والإنذارات، وأي أصوات أخرى قد تكون ذات صلة بالحادث. تساعد هذه التسجيلات على فهم سلوك الطيارين وتقييم استجابتهم للأحداث التي وقعت أثناء الرحلة.
بالإضافة إلى وظائف التسجيل، يحتوي مسجل بيانات الطيران على جهاز إرسال ينطلق في حالة غرق الطائرة في الماء للمساعدة في تحديد موقعها والعثور على الحطام. يمكن لهذا الجهاز أن يعمل على عمق يصل إلى 3500 متر (14000 قدم).








