هل لاحظت تزايدًا في معدلات السمنة بين الأجيال الشابة؟ دراسة حديثة تلقي الضوء على ظاهرة مثيرة للقلق: مواليد التسعينيات أكثر عرضةً ليصبحوا مفرطيّ الوزن أو بُدَنَاء مقارنةً بآبائهم وأجدادهم. هذا الاتجاه ليس مجرد ملاحظة عابرة، بل هو نتيجة لتحليل بيانات شاملة تمتد لعقود، تكشف عن تحدٍ صحي عام يواجه مجتمعاتنا.
في هذا المقال، نتعمق في تفاصيل هذه الدراسة، ونفهم كيف تم البحث، وما هي النتائج الرئيسية التي توصلت إليها، والأهم من ذلك، ما الذي تعنيه هذه النتائج لصحة الأجيال الحالية والمستقبلية.
جدول المحتويات
- هل مواليد التسعينيات حقاً أكثر عرضةً لزيادة الوزن؟
- تفاصيل الدراسة: كيف تم البحث؟
- النتائج الرئيسية: أرقام مقلقة للأجيال الشابة
- تفسير النتائج: البيئة المسببة للسمنة
- قيود الدراسة والنقاط الهامة
- الخلاصة ومستقبل الصحة العامة
هل مواليد التسعينيات حقاً أكثر عرضةً لزيادة الوزن؟
التقارير الحديثة تشير إلى أن الأطفال المولودين في التسعينيات يواجهون احتمالية أكبر بثلاث مرات ليصبحوا بدناء مقارنةً بآبائهم وأجدادهم. هذا ليس مجرد تخمين، بل هو استنتاج مستند إلى مسح شامل أُجري في المملكة المتحدة، درس بيانات من عام 1946 حتى 2001.
الدراسة كشفت عن ميل واضح لانتشار الوزن الزائد والسمنة بشكل أكبر في الأجيال الأصغر. كما لاحظت أن العتبة الفاصلة بين الوزن الطبيعي والوزن الزائد قد تجاوزها المراهقون من الأجيال الأحدث في سن مبكرة.
تفاصيل الدراسة: كيف تم البحث؟
منهجية البحث وأهدافه
قام باحثون من كلية جامعة لندن بإجراء هذه الدراسة، بتمويل من مجلس البحوث الاقتصادي والاجتماعي. ثم نُشرت النتائج في المجلة الطبية المحكمة PLOS، وهي مجلة مفتوحة تتيح الوصول إلى الدراسة مجاناً عبر الإنترنت.
الدراسة عبارة عن تحليل لبيانات من خمس دراسات حشدية كبيرة أُجريت في إنجلترا على مدى 50 عامًا. كان الهدف هو تتبع تغيرات وزن الأشخاص عبر الزمن، خلال الطفولة والبلوغ، ومقارنة هذه التغيرات بين الأجيال المختلفة.
المشاركون والبيانات
فحص الباحثون 273,846 تسجيلاً للوزن والطول لـ 56,632 شخصًا في المملكة المتحدة. جمعوا هذه البيانات من خمس دراسات مختلفة شملت أشخاصًا ولدوا في أعوام 1946، 1958، 1970، 1991، و2001.
لتقييم البالغين، استخدموا مؤشر كتلة الجسم (BMI)، وهو الوزن بالكيلوغرام مقسومًا على مربع الطول بالأمتار. أما بالنسبة للأطفال، فقد اختلف التقييم لتفسير نموهم، باستخدام فئة مرجعية لتحديد ما إذا كانوا ضمن الوزن الطبيعي، أو يعانون من نقص الوزن، زيادة الوزن، أو السمنة في أعمار محددة.
لضمان التناسق، ركز الباحثون على بيانات الأفراد ذوي البشرة البيضاء فقط، وتم تحليل بيانات الرجال والنساء، والأطفال والبالغين بشكل منفصل. كما قُسمت كل مجموعة إلى 100 شريحة متساوية بناءً على مؤشر كتلة الجسم لتتبع التغيرات بدقة، مثل الشريحة الخمسين التي تمثل متوسط وزن المجموعة، والشريحة الثامنة والتسعين التي تمثل الأفراد الأثقل وزنًا.
النتائج الرئيسية: أرقام مقلقة للأجيال الشابة
كشفت الدراسة عن نتائج هامة توضح النمط المتغير لزيادة الوزن والسمنة عبر الأجيال:
تزايد احتمالية زيادة الوزن في سن مبكرة
الأشخاص الذين ولدوا في المجموعات اللاحقة أصبحوا أكثر عرضةً لزيادة الوزن في أعمار أصغر. على سبيل المثال، العمر الذي وصل فيه الرجال من الشريحة الوسطى (الخمسين) إلى حالة زيادة الوزن انخفض من 41 عامًا لمن ولدوا في 1946، إلى 33 عامًا لمن ولدوا في 1958، ثم إلى 30 عامًا لمن ولدوا في 1970. أما بالنسبة للنساء، فقد تراجع العمر من 48 إلى 44 ثم إلى 41 عامًا في المجموعات العمرية السابقة تباعًا.
ارتفاع فرص السمنة في الطفولة
احتمال الإصابة بزيادة الوزن في الطفولة ارتفع بشكل كبير بين الأطفال المولودين بين عامي 1991 و2001. فبينما كانت احتمالية إصابة الأولاد المولودين في عام 1946 بزيادة الوزن أو السمنة في عمر العاشرة حوالي 7% والفتيات 11%، قفز هذا الاحتمال إلى 23% للأولاد و29% للفتيات من مواليد عام 2001. ومع ذلك، بقي متوسط وزن الأطفال (الشريحة الخمسين) ضمن نطاق الوزن الطبيعي في جميع المجموعات الخمس.
قمة الزيادة عند الأفراد الأكثر وزناً
التغيرات الأكبر في الوزن لوحظت عند الأفراد الأكثر وزنًا. الأشخاص الأثقل وزنًا من مواليد عام 1970 (الشريحة الثامنة والتسعون) وصلوا إلى مؤشر كتلة جسم أعلى في سن مبكرة من نظرائهم في مجموعات المواليد الأقدم.
تفسير النتائج: البيئة المسببة للسمنة
الباحثون يرون أن هذه النتائج تظهر أن الأطفال المولودين بعد الثمانينيات هم الأكثر عرضةً لخطر زيادة الوزن أو السمنة. ويعزون ذلك إلى التعرض لما يسمونه “البيئة المسببة للسمنة”، والتي تتميز بسهولة الوصول إلى الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية والتكلفة المنخفضة.
كما يشيرون إلى أن التغيرات في معدلات السمنة بمرور الوقت بين الدراسات الحشدية القديمة تدعم نظرية أن التحولات في بيئة الغذاء خلال الثمانينيات هي السبب الكامن وراء هذه الظاهرة. إذا استمر هذا الاتجاه، ستكون الأجيال الحالية والمستقبلية أثقل وزنًا وأكثر بدانة لفترة أطول من حياتها، مما يؤدي إلى “عواقب وخيمة على الصحة العامة”، ويزيد من تعرضهم لأمراض مثل أمراض القلب التاجية والسكري من النوع الثاني وبعض أنواع السرطان.
قيود الدراسة والنقاط الهامة
من المهم الإشارة إلى أن هذه الدراسات تضمنت بعض القيود. فبينما كانت أربع من الدراسات الخمس شاملة للمملكة المتحدة بأكملها، اقتصرت دراسة واحدة (التي أجريت في عام 1991) على منطقة واحدة في إنجلترا، مما قد يجعلها لا تمثل المملكة المتحدة كلها بدقة.
الأهم من ذلك، استخدمت الدراسات الخمس طرقًا مختلفة لتسجيل الطول والوزن في أوقات متباينة، وبعض التقارير كانت ذاتية، مما يعني اعتمادها على دقة الأفراد في تسجيل بياناتهم. ومع ذلك، هذه القيود لا تنفي الصورة العامة الواضحة للاتجاه المقلق.
نحن نعلم جيدًا أن زيادة الوزن أو السمنة تزيد من خطر الإصابة بالعديد من الأمراض، بما في ذلك أمراض القلب والسكري وبعض أنواع السرطان. كما أن الأطفال الذين يعانون من زيادة الوزن يميلون إلى الاستمرار في هذه الحالة عند البلوغ، مما يزيد من احتمالية إصابتهم بهذه الأمراض.
هذه الدراسة تقدم معلومات قيمة حول الفئات العمرية الأكثر عرضة لخطر زيادة الوزن وفي أي عمر، مما يساعد مراكز الخدمات الصحية على تطوير استراتيجيات فعالة للحد من انتشار السمنة في المستقبل.
الخلاصة ومستقبل الصحة العامة
تظهر هذه الدراسة بوضوح كيف تأثرت الأجيال المختلفة، مما أدى إلى زيادة متوسط وزن سكان إنجلترا على مدار السبعين عامًا الماضية. الأشخاص الذين ولدوا في عام 1946، على سبيل المثال، كانوا بمتوسط وزن طبيعي حتى الأربعينيات من عمرهم، لكن أوزانهم بدأت ترتفع بعد ذلك.
تشير الأرقام إلى أن شيئًا ما حدث خلال الثمانينيات – العقد الذي انتقل فيه متوسط وزن المجموعات المولودة مبكرًا من الطبيعي إلى الزائد – أدى إلى زيادة احتمالية إصابة الأشخاص من جميع الأعمار بزيادة الوزن أو السمنة. ورغم أن الدراسة لا تحدد السبب القاطع، يبدو من المنطقي أن مزيجًا من الأطعمة عالية السعرات الحرارية ومنخفضة التكلفة، إلى جانب نمط الحياة الذي يتسم بزيادة الخمول، قد ساهم في هذا التغيير المقلق. مع استمرار هذا الاتجاه، يصبح من الضروري اتخاذ إجراءات وقائية عاجلة لحماية صحة أجيالنا القادمة.








