مقدمة في علوم اللغة
تعتبر دراسة النحو والصرف أساسية لفهم اللغة العربية بعمق. هذان العِلمان، على الرغم من ترابطهما الوثيق، يمثلان جوانب مختلفة من دراسة اللغة. يهدف النحو إلى فهم تركيب الجملة ووظيفة الكلمات فيها، بينما يركز الصرف على بنية الكلمة وتغيراتها الداخلية. وفيما يلي، سنستعرض تعريفًا لكل منهما، وأهميته، ونستكشف تاريخ نشأتهما.
تعريف علم النحو
كلمة “النحو” مشتقة من الفعل “نَحَا”، وتعني القصد والاتجاه. تحمل هذه الكلمة في طياتها معانٍ لغوية متعددة، تشمل المقدار، والقسم، والمثل، وغيرها. وقد ذكر ابن مالك -رحمه الله- هذه المعاني في ألفيته. أما في الاصطلاح، فقد تعددت تعريفات النحو، ويُعتبر تعريف ابن السراج في كتابه “الأصول في النحو” من أوائل التعريفات الاصطلاحية. يرى ابن السراج أن النحو هو اتباع المتكلم لكلام العرب، بعد فهم الغرض من الكلام، مثل رفع الفاعل ونصب المفعول به. وقد وافقه في هذا الرأي كل من ابن جني وابن عصفور، مما جعل علمي النحو والصرف في تلك الفترة علماً واحداً غير منفصل.
ويرى علماء النحو المتقدمون أن النحو هو العلم الذي يبحث في العلاقات بين الكلمات ودراستها مع بعضها، بحيث يصبح للكلمة معنى نحوي. وهذا ما أكده الراجحي، مع الإشارة إلى أن الصرف يعنى بالكلمة بمعزل عن تركيبها وسياقها، على عكس النحو الذي يهتم بدراسة الكلمات وتركيبها، والتغيرات التي تحدث في أواخرها، مما يؤثر في بنائها وإعرابها.
الأهمية البالغة لعلم النحو
يعد النحو حجر الزاوية في الدراسات اللغوية، فهو يساهم في فهم تراكيب الجمل بشكل دقيق، ويمنع أي التباس أو تداخل في المعاني. فاللغة العربية تزخر بتقنيات التقديم والتأخير، التي قد تؤدي إلى تغيير المعنى المقصود إذا لم يتم فهمها بشكل صحيح. لذا، يهدف علم النحو إلى تحديد وظائف الكلمات في الجمل، فمن خلال الحركات الإعرابية يتم تحديد الفاعل والمفعول به والنعت وغيرها، مما يوضح المعنى ويجليه.
وقد أشار الزجاجي إلى أن وظيفة النحو تتجاوز ذلك إلى التعمق في فهم الكلام العربي واكتساب السليقة العربية، وذلك من خلال الممارسة والتدرب على نصوص العرب، وفي مقدمتها القرآن الكريم.
ويرى المتأخرون من علماء اللغة والبلاغة أن أهمية النحو تكمن في الوصول إلى دقائق معاني النصوص الأدبية، واستكشاف خواص التراكيب، وفهم الدلالات الحقيقية، خاصة في آيات القرآن الكريم.
رائد علم النحو
تضاربت الآراء حول المؤسس الأول لعلم النحو. يرى البعض أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- هو أول من وضع قواعد النحو، وذلك عندما أرسل إلى أبي الأسود الدؤلي رسالة جاء فيها: “الكلام كله اسم، وفعل، وحرف”، ثم بدأ يشرح له هذه الأقسام باختصار، وأنهى رسالته قائلاً: “انحُ هذا النحو، وأضفْ عليه ما وقع إليك”. ومنذ ذلك الحين، بدأ الدؤلي في اتباع ما قيل له، وأضاف العديد من الأبواب إلى النحو. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن معظم الروايات الواردة عن الدؤلي تعود إلى علي بن أبي طالب. فعندما سئل أبو الأسود الدؤلي عن النحو الذي عنده، أجاب: “لفّقت حدوده من عليّ بن أبي طالب”.
ويرى فريق آخر أن أبا الأسود الدؤلي هو المؤسس الفعلي لعلم النحو، وذلك للروايات التي تتحدث عن زيارته لأمير البصرة (زياد) وطلبه منه أن يضع للعرب ما يعينهم على فهم كلامهم، بعد اختلاط كلامهم مع الأعاجم. وقد وافق الأمير على ذلك، وقال له: “ضع للناس ما كنت نهيتك عنه”. بالإضافة إلى ذلك، هناك قصة شهيرة للدؤلي مع ابنته، قيل إنها كانت السبب في وضعه لعلم النحو، حيث روي أنها قالت له: “ما أحسنُ السماء!”، فرد عليها: “نُجومها”، ثم أوضحت أنها قصدت التعجب من جمالها، فقال لها: “إذن فقولي: ما أحسنَ السماء!”. وعلى إثر هذا الحدث، بدأت قصة وضع النحو.
وعند النظر إلى الرأيين، نجد أن علي بن أبي طالب كان له الفضل في توجيه الدؤلي إلى مفاتيح النحو، وأن الدؤلي كان له الفضل في وضع العلم على هذه الطريقة. فلا يمكن إنكار دور أي منهما.
تفسير علم الصرف
في اللغة العربية، يُعرَّف الصرف بمعانٍ متعددة تدور حول ثلاثة محاور رئيسية: الانتقال، والتغيير، والتحويل. فعندما نقول “صَرَفَ فلان المال”، فإننا نعني أنه انتقل من ملكيته إلى ملكية شخص آخر. أما في الاصطلاح اللغوي، فعلم الصرف هو العلم الذي يعنى بصياغة الأبنية الكلامية وأحوالها، بالإضافة إلى الاهتمام بأواخر الكلام دون التعرض للإعراب أو البناء. ويشير مصطلح “صياغة الأبنية” إلى الاشتقاق، مثل اشتقاق اسم الفاعل واسم المفعول واسم المكان. أما “أحوال الأبنية” فتتمثل بالتغيرات التي تطرأ على الكلمة، مثل الإعلال والإبدال والحذف والإدغام.
قيمة علم الصرف
تتجلى أهمية علم الصرف في حماية اللسان من اللغو والخطأ في اللفظ، بالإضافة إلى حفظ الكتابة من الأخطاء، مما يساعد على فهم كتاب الله وسنة نبيه، وفهم العديد من العلوم الدينية الأخرى. كما أن دارس الصرف يصبح أكثر قدرة على صياغة الأسماء والأفعال، والتوصل إلى علاقتها بالمعنى المقصود.
وتشير العديد من المصادر العربية المختصة بدراسة النحو والصرف إلى أهمية علم الصرف أكثر من علم النحو، ومنها كتاب “المثل السائر” و”البرهان في علوم القرآن” و”المنصف”. ويعود سبب هذه الأفضلية إلى اهتمام علم الصرف بالكلمات المفردة وأجزائها، بينما يهتم علم النحو بدراسة تركيب هذه الكلمات في الجملة. وانطلاقاً من القاعدة المعروفة بأن “دراسة الجزء أهم من دراسة الكل”، فقد تبنوا هذا الرأي. ويدعم هذا القول أن اللغة العربية تعتمد بشكل كبير على “القياس”، ولا يمكن الوصول إلى القياس إلا بعلم الصرف.
مؤسس علم الصرف
تعددت الآراء حول المؤسس الأول لعلم الصرف، فمنهم من قال إنه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، ومنهم من قال إنه أبو الأسود الدؤلي. إلا أن الذي وضع المسائل المتعلقة بعلم الصرف من خلال الأبحاث والمؤلفات، مع فصل علم الصرف عن علوم اللغة العربية الأخرى، هو معاذ بن مسلم الهراء. وقد ذكر السيوطي في فضل معاذ الهراء أنه الأول في إيجاد علم التصريف. وكان الهراء تلميذاً عند معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، وعند الدؤلي، كما تتلمذ على يديه كل من الكسائي والفراء.
الاختلافات الجوهرية بين النحو والصرف
فيما يلي جدول يوضح الفروقات الأساسية بين علمي النحو والصرف:
| وجه المقارنة | علم النحو | علم الصرف |
|---|---|---|
| التعريف | العلم الذي يُعنى بأواخر الكلام من إعراب وبناء. | العلم الذي يُعنى بأبنية الكلام وأحواله. |
| المواضيع التي يتناولها |
|
|
| المثال التوضيحي |
(يدرسُ خالدٌ): يدرسُ: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضّمة الظّاهرة على آخره. خالدٌ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه تنوين الضّم الظّاهر على آخره). (ادرسْ): فعلٌ ماضٍ مبنيّ على الفتح الظّاهر على آخره، والفاعل ضمير مستتر تقديره (أنت). |
(درسَ): وزنها الصّرفيّ (فَعَلَ). (يدرسُ): وزنها الصّرفيّ (يَفْعَلُ). (مُعلِّم): يتمّ صياغتها لـ (مُعلِّمون) باعتبارها جمع مُذكّر سالم، و(مُعلّمة): يتمّ صياغتها لـ (مُعلِّمات)، باعتبارها جمع مُؤنث سالم. |
| تحليل جملة |
الجملة: (ذهبَ المُعلِّمون إلى المدارسِ) ذهبَ: فعلٌ ماضٍ مبنيّ على الفتح الظاهر على آخره. المُعلِّمون: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مُذكّر سالم. إلى: حرف جرّ مبنيّ على السّكون لا محلّ له من الإعراب. المدارسِ: اسم مجرور وعلامة جرِّه الكسرة الظّاهرة على آخره. |
ذهبَ: (فِعلٌ ماضٍ) على وزن (فَعَلَ)، وهو فِعل (صحيح سالم). المُعلِّمون: (اسم فاعل) على وزن (فاعِل)، و(جمع مُذكّر سالم). المدارسِ: (جمعُ مُؤنّث سالم). |
