تُعد قصة اكتشاف الإنسولين واحدة من أبرز اللحظات التحولية في تاريخ الطب الحديث. قبل هذا الاكتشاف، كان مرض السكري حكماً بالإعدام، يجرد المصابين صحتهم وحياتهم في غضون أسابيع قليلة. لكن بفضل إصرار عالم شاب وفريقه، تحولت هذه التحديات إلى أمل، وفتحت الأبواب أمام حياة جديدة لملايين المرضى حول العالم.
هذه ليست مجرد قصة علمية، بل هي رحلة ملهمة من الشغف والمثابرة، غيّرت وجه مرض السكري وجعلت التعايش معه ممكناً لسنوات طويلة بأمان وسلامة. دعونا نتعمق في تفاصيل هذه القصة الرائعة.
جدول المحتويات:
- بداية القصة: رجل بحلم كبير
- التجارب الأولى: البحث عن الإكسير المنقذ
- لحظة الحقيقة: الكلب رقم 410 يدخل التاريخ
- من المختبر إلى البشر: معجزة ليونارد ثومبسون
- جائزة نوبل وتقاسم الفضل
بداية القصة: رجل بحلم كبير
بدأت فصول هذه القصة المحورية في عام 1920، عقب عودة الدكتور الجراح فريدريك بانتنج من جبهات الحرب العالمية الأولى. كان بانتنج، في التاسعة والعشرين من عمره، قد أسس عيادة جراحية عامة في لندن، كندا، مسقط رأسه.
كانت عيادته تعاني من ضعف الدخل، الأمر الذي دفعه للبحث عن سبل لتحسين وضعه المادي. اتخذ بانتنج قراراً بإلقاء محاضرات في الجامعة، ومن هنا بدأت رحلته نحو اكتشاف سيغير العالم.
فريدريك بانتنج: العودة من الحرب وبداية البحث
أثناء تحضيره لمحضرات حول استقلاب الأطعمة النشوية، استغرق بانتنج في دراسة المراجع المتعلقة بالغلوكوز واحتمالية دور البنكرياس في تحويله واستقلابه. سرعان ما استحوذ هذا الموضوع على كامل تفكيره.
إيماناً منه بأهمية هذا البحث، أغلق بانتنج عيادته وتوجه إلى جامعة تورونتو الكندية، حاملاً معه فكرة جريئة.
لقاء الفرص: ماكليود وبست
في جامعة تورونتو، التقى بانتنج برئيس قسم وظائف الأعضاء، البروفيسور جي جي ماكليود. عرض عليه أفكاره وطلب العمل تحت إشرافه لإجراء تجارب حول دور البنكرياس في استقلاب السكريات.
كانت فكرته تتمحور حول وجود مادة مجهولة يفرزها البنكرياس، لم يتم اكتشافها بعد، وهي المسؤولة عن استقلاب المواد النشوية. تردد البروفيسور ماكليود في البداية، لكن إلحاح بانتنج وحماسه أقنعاه، فوافق على منحه مختبراً صغيراً مهجوراً وعين له مساعداً من طلبة الماجستير، الشاب شارلز بست. سمح لهما ماكليود أيضاً باستخدام عشرة كلاب لتجاربهما.
التجارب الأولى: البحث عن الإكسير المنقذ
كان هاجس الدكتور بانتنج الأساسي هو عزل المادة المجهولة التي تفرزها خلايا البنكرياس والمسؤولة عن استقلاب الغلوكوز في الدم. وتساءل بانتنج: هل يمكن لهذه المادة أن تعالج آلاف، بل ملايين، المصابين بمرض السكري الذي كان يحصد أرواحهم سريعاً؟
الفكرة العبقرية: استهداف البنكرياس
حتى عام 1920، كان الاعتقاد السائد أن خلايا البنكرياس تفرز مواداً هاضمة عبر قناة إلى الأمعاء. ولكن، كانت هناك خلايا أخرى، تُعرف باسم جزر لانجرهامز، متفرقة داخل البنكرياس.
جاءت الفكرة العبقرية لبانتنج: إذا ربط قناة البنكرياس ومنع العصارة الهضمية من الخروج، فإنها ستتراكم وتتلف الخلايا التي تفرزها. هذا سيمكنه من عزل خلايا لانجرهامز، التي ظن أنها المصدر للمادة المجهولة دون أن تتأثر.
تحديات المختبر: الكلاب الضالة والمحاولات المستمرة
واجه بانتنج وبست تحديات جمة. كان عدد الكلاب المخصصة لهما محدوداً وغالي الثمن. في إحدى المواقف الطريفة، كان بانتنج يجوب الشوارع الخلفية في تورونتو بحثاً عن أي كلب ضال لإجراء تجاربه عليه، متمسكاً بهدفه رغم الصعوبات.
لحظة الحقيقة: الكلب رقم 410 يدخل التاريخ
توالت التجارب وماتت كلاب المختبر الواحد تلو الآخر. ثم جاء دور الكلب رقم 390. بعد عملية ربط قناة البنكرياس، تأكد بانتنج وبست أن جميع خلايا البنكرياس قد تضررت باستثناء جزر لانجرهامز.
نجاح باهر: انخفاض مستويات السكر
استأصلا البنكرياس من الكلب 390 وقطّعاه إلى أجزاء صغيرة، ثم حقنا المستخلص في الكلب رقم 410، الذي كان قد أُصيب بالسكري جراحياً. ترقبا النتائج ببطء. بعد ساعة، لم يتغير مستوى الغلوكوز في دم الكلب.
لكنهما لم يفقدا الأمل. بعد ربع ساعة أخرى، أعادا التحليل وكانت المفاجأة: بدأت نسبة الغلوكوز بالانخفاض. تسارعت نبضاتهما، وبعد تحليل ثالث، عادت مستويات الغلوكوز إلى طبيعتها. نجحت التجربة!
وهكذا، دخل الكلب 410 التاريخ كأول مريض بالسكري يُعالج بالإنسولين، ودخل الدكتور بانتنج والسيد بست التاريخ إلى الأبد في صيف عام 1921.
توسيع البحث: انضمام كوليب وتحديات التنقية
أعاد بانتنج التجارب على كلب آخر، وكانت النتائج واعدة. أبلغ البروفيسور ماكليود بالنتائج، الذي منحهما مختبراً حديثاً مجهزاً بأفضل المعدات العلمية، وعين لهما الصيدلي جيمس كوليب لمساعدتهما في تنقية الإكسير من غدة البنكرياس.
كان الإكسير الأول غير نقي، مما تسبب بحساسية ومضاعفات للكلاب. لذا، أصبح تحسين نقاوته أولوية قصوى.
من المختبر إلى البشر: معجزة ليونارد ثومبسون
بعد النجاحات على الحيوانات، حان وقت التجربة على البشر. في 11 يناير 1922، تم اختيار الشاب ليونارد ثومبسون، البالغ من العمر 14 عاماً، لتلقي اللقاح الجديد. كان ليونارد على وشك الموت بسبب مضاعفات السكري، يعاني من هزال شديد، جفاف، وحرارة مرتفعة، ونسبة غلوكوز في الدم بلغت 440 ملليغرام/ديسيلتر.
أول مريض بشري: بصيص أمل لليونارد
حُقن ثومبسون بالإكسير الذي أُطلق عليه اسم “الإنسولين”. مرت الدقائق ببطء شديد، مليئة بالترقب والخوف والأمل. بعد ساعة، انخفضت نسبة السكر في دمه إلى 220 ملليغرام/ديسيلتر، واستمرت في الانخفاض حتى وصلت إلى 100 ملليغرام/ديسيلتر بعد 12 ساعة. نجحت التجربة!
لكن ثومبسون عانى من حساسية شديدة، ما دفع بانتنج إلى إيقاف العلاج مؤقتاً. أدرك بانتنج أن العلاج يحتاج إلى مزيد من التنقية. بعد 12 يوماً من العمل الدؤوب، استطاع الصيدلي كوليب تنقية محلول الإنسولين، واستأنف علاج ثومبسون، الذي مُنح حياة جديدة.
الانتشار العالمي والإرث الخالد
تناقلت وسائل الإعلام خبر هذا النجاح العظيم. بعد آلاف السنين من معرفة البشر بهذا المرض القاتل، أصبح له علاج فعال. تصدرت صورة الدكتور بانتنج غلاف مجلة التايم، وعرف العالم الإنسولين ومكتشفه.
توالت النجاحات، ففي عام 1923، تم علاج 25 ألف طفل وشاب بالإنسولين في كندا وأمريكا. حتى أن رجلاً أمريكياً عرض على بانتنج مليون دولار مقابل براءة الاكتشاف، لكن بانتنج رفض ذلك، مؤكداً أن الإنسولين اكتشف في كندا وسيظل كنديًا، وسيُعالج به جميع مرضى السكري حول العالم.
جائزة نوبل وتقاسم الفضل
في عام 1923، أُعلنت أسماء الفائزين بجائزة نوبل في الطب. مُنحت الجائزة مناصفة للدكتور بانتنج والبروفيسور ماكليود. لكن بانتنج اعترض بشدة، مشدداً على أن من كان يسهر في المختبر مع الكلاب لم يكن ماكليود، بل السيد بست.
تكريم مستحق وروح التعاون
رد ماكليود بأن الصيدلي كوليب هو من يستحق التكريم أيضاً لجهوده في التنقية. وهكذا، وفي سابقة تاريخية، اقتسم الأربعة – بانتنج، ماكليود، بست، وكوليب – جائزة نوبل، تجسيداً لروح التعاون العلمي وتفانيهم في خدمة الإنسانية.
لقد غيّرت قصة اكتشاف الإنسولين مسار تاريخ الطب وملايين الأرواح. من حلم جراح شاب إلى علاج عالمي، أثبت هذا الاكتشاف أن الإصرار والتعاون العلمي يمكنهما التغلب على أعظم التحديات الطبية.
اليوم، يواصل الإنسولين إنقاذ الأرواح وتحسين جودة حياة مرضى السكري، مذكراً إيانا بقوة البحث العلمي والإنسانية التي دفع بهؤلاء الرواد.








