مجموعة مختارة من روائع نزار قباني الشعرية
قارئة الفنجان: رحلة في أعماق الحب
جلست والخوف بعينيها، تتأمل فنجاني المقلوب. قالت: يا ولدي.. لا تحزن، الحب عليك هو المكتوب. يا ولدي، قد مات شهيداً من مات على دين المحبوب. فنجانك دنيا مرعبة، وحياتك أسفارٌ وحروب. ستحب كثيراً وكثيراً، وتموت كثيراً وكثيراً، وستعشق كل نساء الأرض، وترجع كالملك المغلوب. بحياتك يا ولدي امرأةٌ عيناها سبحان المعبود، فمها مرسومٌ كالعنقود، ضحكتها موسيقى و ورود. لكن سماءك ممطرة، وطريقك مسدود، مسدود. حبيبة قلبك يا ولدي نائمة في قصر مرصود، والقصر كبير يا ولدي وكلاب تحرسه وجنود. أميرة قلبك نائمة، من يدخل حجرتها مفقود، من يطلب يدها، من يدنو من سور حديقتها مفقود، من حاول فك ضفائرها يا ولدي مفقود، مفقود. بصرت ونجمت كثيراً لكني لم أقرأ أبداً فنجاناً يشبه فنجانك، لم أعرف أبداً يا ولدي أحزاناً تشبه أحزانك. قدرك أن تمشي أبداً في الحب على حد الخنجر، وتظل وحيداً كالأصداف، وتظل حزيناً كالصفصاف. قدرك أن تمضي أبداً في بحر الحب بغير قلوع، وتحِب ملايين المرات، وترجع كالملك المخلوع.
التصوير في الزمن الرمادي: وطنٌ في مرآة الشعر
أحاول منذ الطفولة أن أتصور شكل الوطن. رسمت بيوتاً، رسمت سقوفاً، رسمت وجوهاً، رسمت مآذن مطلية بالذهب، رسمت شوارع مهجورة يقرفص فيها التعب ليستريح، رسمت بلاداً تُسمى مجازاً بلاد العرب. أحاول منذ الطفولة رسم بلادٍ تسامحني إن كسرت زجاج القمر، وتشكُرني إن كتبت قصيدة حب، وتسمح لي أن أمارس فعل الهوى ككل العصافير فوق الشجر. أحاول رسم بلاد بها بشر يضحكون ويبكون مثل البشر، أحاول أن أتبرأ من مفرداتي ومن لعنة المبتدأ والخبر، وأنفض عني غباري وأغسل وجهي بماء المطر. أحاول من سلطة الرمل أن أستقيل، وداعاً قريش، وداعاً كليب، وداعاً مضر. لها برلمان من الياسمين وشعب رقيق من الياسمين، تنام حمائمها فوق رأسي وتبكي مآذنها في عيوني. أحاول رسم بلاد تكون صديقة شعري، ولا تتدخل بيني وبين ظنوني، ولا يتجول فيها العساكر فوق جبيني. أحاول رسم بلادٍ تكافئني عن حرقت ثيابي، وتصفح عني إذا فاض نهر جنوني. أحاول رسم مدينة حب لا يذبحون الأنثى فيها ولا يقمعون الجسد. رحلت جنوباً، رحلت شمالاً، ولا فائدة، فقهوة كل المقاهي لها نكهة واحدة، وكل النساء لهن إذا ما تعرين رائحة واحدة، وكل رجال القبيلة لا يمضغون الطعام، ويلتهمون النساء بثانية واحدة. أحاول منذ البدايات أن لا أكون شبيهاً بأحد، رفضت عبادة أي وثن، أحاول إحراق كل النصوص التي أرتديها، فبعض القصائد قبر وبعض اللغات كفن. رسمت نزيف المقاهي، رسمت سعال المدن، وواعدت آخر أنثى، ولكنني جئت بعد مرور الزمن. أحاول رسم بلادٍ سريري بها ثابت ورأسي بها ثابت، ولكنهم أخذوا علبة الرسم مني ولم يسمحوا لي بتصوير وجه الوطن، ورأسي بها ثابت لكي أعرف الفرق بين البلاد وبين السفن، ولكنهم أخذوا علبة الرسم مني ولم يسمحوا لي بتصوير وجه الوطن.
غضب: عاصفةٌ من المشاعر
اغضب كما تشاء، واجرح أحاسيسي كما تشاء، حطم أواني الزهر والمرايا، هدد بحب امرأة سوايا، فكل ما تفعله سواء، كل ما تقوله سواء، فأنت كالأطفال يا حبيبي نحبهم مهما لنا أساؤوا. اغضب! فأنت رائع حقاً متى تثور، اغضب! فلولا الموج ما تكونت بحور، كن عاصفاً، كن ممطراً، فإن قلبي دائماً غفور. اغضب! فلن أجيب بالتحدي، فأنت طفل عابث يملؤه الغرور، وكيف من صغارها تنتقم الطيور؟ اذهب إذا يوماً مللت مني، واتهم الأقدار واتهمني، أما أنا فإني سأكتفي بدمعي وحزني، فالصمت كبرياء والحزن كبرياء. اذهب إذا أتعبك البقاء، فالأرض فيها العطر والنساء، والأعين الخضراء والسوداء، وعندما تريد أن تراني، وعندما تحتاج كطفل إلى حناني، فعُد إلى قلبي متى تشاء، فأنت في حياتي الهواء، وأنت عندي الأرض والسماء. اغضب كما تشاء، اذهب كما تشاء، اذهب متى تشاء، لا بد أن تعود ذات يوم وقد عرفت ما هو الوفاء.
طوق الياسمين: لغزٌ أنثويّ
شكراً لطوق الياسمين، وضحكت لي وظننت أنك تعرفين معنى سوار الياسمين، يأتي به رجل إليك، ظننت أنك تدركين. وجلست في ركن هادئ، تتسرحين وتنقطين العطر من قارورة، وتدمدمين لحناً فرنسياً الرنين، لحناً كأيامي حزين. قدماك في الخف المقصب، جدولان من الحنين، وقصدت دولاب الملابس، تقلعين وترتدين، وطلبت أن أختار ماذا تلبسين. أفلي إذن؟ أفلي أنا تتجملين؟ ووقفت في دوامة الأوان ملتهب الجبين، الأسود المكشوف من كتفيه، هل تترددين؟ لكنه لون حزين، لون كأيامي حزين. ولبسته، وربطت طوق الياسمين، وظننت أنك تعرفين معنى سوار الياسمين، يأتي به رجل إليك، ظننت أنك تدركين. هذا المساء، بحانة صغرى رأيتك ترقصين، تتكسرين على زنود المعجبين، تتكسرين وتدمدمين في أذن فارسك الأمين لحناً فرنسياً الرنين، لحناً كأيامي حزين. وبدأت أكتشف اليقين، وعرفت أنك للسوى تتجملين، وله ترشين العطور، وتقلعين وترتدين. ومحت طوق الياسمين في الأرض مكتوم الأنين، كالجثة البيضاء يدفعه جموع الراقصين، ويهم فارسك الجميل بأخذه، فتمتنعين وتقهقهين: “لا شيء يستدعي انحناء، كذاك طوق الياسمين”.
اسألك الرحيل: وداعٌ على وقع الحب
لنَفترق قليلاً، لخير هذا الحب يا حبيبي وخيرنا، لنفترق قليلاً، لأني أريد أن تزيد في محبتي، أريد أن تكرهني قليلاً. بحق ما لدينا من ذكرى غالية كانت على كلينا، بحق حب رائع ما زال منقوشاً على فمينا، وما زال محفوراً على يدينا، بحق ما كتبته إلي من رسائل، ووجهك المزروع مثل وردة في داخلي، وحبك الباقي على شعري على أناملي، بحق ذكرياتنا وحزننا الجميل وابتسامنا، وحبنا الذي غدا أكبر من كلامنا، أكبر من شفاهنا، بحق أحلى قصة للحب في حياتنا، أسألك الرحيل. لنفترق أحباباً، فالطير في كل موسم يفارق الهضاب، والشمس يا حبيبي تكون أحلى عندما تحاول الغياب. كن في حياتي الشك والعذاب، كن مرة أسطورة، كن مرة سراب، وكن سؤالاً في فمي لا يعرف الجواب. من أجل حب رائع يسكن منا القلب والأهداب، وكي أكون دائماً جميلة، وكي تكون أكثر اقتراباً، أسألك الذهاب. لنفترق ونحن عاشقان، لنفترق برغم كل الحب والحنان، فمن خلال الدمع يا حبيبي أريد أن تراني، ومن خلال النار والدخان أريد أن تراني. لنحترق، لنبك يا حبيبي، فقد نسينا نعمة البكاء من زمان. لنفترق كي لا يصير حبنا اعتياداً، وشوقنا رماداً، وتذبل الأزهار في الأواني. كن مطمئن النفس يا صغيري، فلم يزل حبك ملء العين والضمير، ولم أزل مأخوذة بحبك الكبير، ولم أزل أحلم أن تكون لي، يا فارسي أنت ويا أميري. لكنني، لكنني أخاف من عاطفتي، أخاف من شعوري، أخاف أن نسأم من أشواقنا، أخاف من وصلنا، أخاف من عناقنا. فباسم حب رائع أزهر كالربيع في أعماقنا، أضاء مثل الشمس في أحداقنا، وباسم أحلى قصة للحب في زماننا، أسألك الرحيل، حتى يظل حبنا جميلاً، حتى يكون عمره طويلاً، أسألك الرحيل.
