مقدمة
تعتبر آيات القرآن الكريم كنوزًا دفينة تحمل في طياتها الكثير من المعاني والدلالات التي تحتاج إلى تدبر وتأمل. ومن بين هذه الآيات الكريمة، نجد قوله تعالى: (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، والتي وردت في موضعين مختلفين من القرآن الكريم، في سورتي الأعراف ويوسف. هذه الآية، على قصرها، تثير العديد من التساؤلات حول معناها وسياقها، وكيف يمكن فهمها في ضوء القصص التي وردت فيها.
في هذا المقال، سنتناول بالتحليل والتفسير هذه الآية الكريمة في كل من سورتي الأعراف ويوسف، مع التركيز على السياق الذي وردت فيه، والدلالات التي تحملها، والدروس المستفادة منها. وذلك بهدف فهم أعمق لكلام الله تعالى، والاستفادة من الهدايات الربانية التي تحملها هذه الآيات.
تبيين الآية في سورة الأعراف
جاءت هذه الآية المباركة ضمن سياق قصة النبي نوح -عليه السلام- مع قومه. ولقد سبق هذه الآية ثلاث آيات تتحدث عن بعثة نوح -عليه السلام- من الله -عز وجل- إلى قومه، ليقوم بدعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يتجنبوا عبادة الأصنام والأوثان. وقد حذرهم نوح -عليه السلام- من عذاب الله الشديد في يوم القيامة إذا لم يستجيبوا لدعوته. إلا أن قوم نوح، وعلى رأسهم كبار القوم وسادتهم، رفضوا دعوته، بل وكذبوه واتهموه بالضلال. عندها، أخبرهم نوح -عليه السلام- أنه ليس بضال، بل هو رسول مرسل إليهم من الله ربهم ورب كل شيء، لينصحهم ويعلمهم أوامر الله وأحكامه. وأكد لهم أن الله قد علمه من العلم والهداية والخير والتوحيد الخالص ما لم يعلموه.
يقول الله تعالى على لسان نوح عليه السلام:(أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 62].
هذه الآية تدل على أن نوحًا -عليه السلام- كان يعلم من الله ما لم يعلمه قومه من أمور الغيب، ومن الحقائق التي تتعلق بالله -تعالى- وصفاته وأفعاله، ومن الأحكام الشرعية التي يجب عليهم الالتزام بها. وكان هذا العلم هو الذي مكنه من القيام بمهمة الدعوة على أكمل وجه، ومن مواجهة تكذيب قومه وتحديهم.
تبيين الآية في سورة يوسف
وردت هذه الآية في سياق قصة يوسف -عليه السلام- مع إخوته، وكانت جوابًا من أبيهم يعقوب -عليه السلام- على ما قاله له أبناؤه من لوم وعتاب بسبب حزنه الشديد وبكائه على يوسف وأخيه. فقد أصيب يعقوب -عليه السلام- بالعمى من كثرة البكاء، فعاتبه أولاده بفظاظة وغلظة، خاصة عندما سمعوه يذكر اسم يوسف. فأجابهم بأنه لا يشكو همه وحزنه إلا إلى الله -تعالى- وحده، ولا يظهر هذا الحزن للناس، بل هو بينه وبين الله -تعالى-. لأنه يعلم أن الفرج يأتي من عند الله وحده، ولا أحد من الناس يقدر على تفريج همه وإزالة حزنه إلا الله -عز وجل-. فهو يعلم من رحمة الله وفضله وكرمه وإحسانه ما لا يعلمه أبناؤه والناس.
يقول الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام:(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [يوسف: 86].
وفي كتب التفسير، رُوي أن يعقوب -عليه السلام- ظل يبكي ثمانين سنة ويكتم الحزن في قلبه، وهو أكرم إنسان عند الله في الأرض. ولم يكن يشكو أمره إلا إلى الله -تعالى-، لأنه كان يعلم أن يوسف لم يمت وأنه حي يرزق، وهذا ما لم يكن يعلمه أحد غيره. وكان يعقوب -عليه السلام- يعلم أيضًا بأن رؤيا يوسف ستتحقق بإذن الله، وهي التي أخبره يوسف عنها سابقًا.
كما قال تعالى:(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف: 4].
هذا الأمر لم يكن يعلمه إخوة يوسف ولا غيرهم من الناس، وإنما علمه الله ليعقوب -عليه السلام- وأخبره به لأنه نبي الله، والأنبياء يعلمون ما لا يعلمه الناس.
الفوائد المستخلصة
من خلال تفسير هذه الآية الكريمة في سورتي الأعراف ويوسف، يمكننا استخلاص العديد من الفوائد والدروس، منها:
- أن الأنبياء والمرسلين -عليهم السلام- يتميزون بعلم خاص من الله -تعالى-، يمكنهم من القيام بمهامهم على أكمل وجه.
- أن على المؤمن أن يلجأ إلى الله -تعالى- وحده في الشدائد والمحن، وأن يثق بفرج الله ورحمته.
- أن الصبر والاحتساب من صفات الأنبياء والصالحين، وأن الجزع واليأس لا يليقان بالمؤمن.
- أهمية تدبر القرآن الكريم والتأمل في معانيه، واستخراج الهدايات الربانية التي يحملها.
خلاصة
في الختام، يمكننا القول إن قوله تعالى: (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) يحمل في طياته الكثير من المعاني والدلالات التي تحتاج إلى تدبر وتأمل. وقد رأينا كيف أن هذه الآية قد وردت في سياقين مختلفين، في قصة نوح وقصة يوسف -عليهما السلام-، وكيف أنها تحمل دلالات مختلفة في كل سياق. إلا أنها في النهاية تؤكد على أن الأنبياء والمرسلين -عليهم السلام- يتميزون بعلم خاص من الله -تعالى-، وأن على المؤمن أن يلجأ إلى الله -تعالى- وحده في الشدائد والمحن.








