فضائل سورة الفاتحة: الكنز الخفي في أمّ القرآن

تُعدّ سورة الفاتحة جوهر القرآن، حيثُ تحمل بين طياتها فضائل عظيمة، بدءاً من الشفاء والرزق، وصولاً إلى قضاء الحوائج واستجابة الدعاء. سنستكشف في هذه المقالة خبايا سورة الفاتحة وفوائدها العديدة، ومكانتها المميزة في الإسلام.

جدول المحتويات

الشفاء من سورة الفاتحة

سورة الفاتحة هي سورة مكيّة، تقع في مقدمة المصحف، وتتكون من سبع آيات مع البسملة. تُعدّ سورة الفاتحة من المثاني، وتتميز ببدءها بالحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، كما جاء في قوله -تعالى-: “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” [١][٢]. تُعتبر سورة الفاتحة جوهر القرآن، وتُقدّم عدداً من الفضائل والمميزات.

من أهمّ فضائل سورة الفاتحة قدرتها على الشفاء. فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنّه قال: “أنَّ نَاساً مِن أصْحَابِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أتَوْا علَى حَيٍّ مِن أحْيَاءِ العَرَبِ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبيْنَما هُمْ كَذلكَ، إذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقالوا: هلْ معكُمْ مِن دَوَاءٍ أوْ رَاقٍ؟ فَقالوا: إنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، ولَا نَفْعَلُ حتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً، فَجَعَلُوا لهمْ قَطِيعاً مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بأُمِّ القُرْآنِ” [٧].

ويُؤكّد النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّ سورة الفاتحة هي أعظم سورةٍ في القرآن الكريم، كما جاء في حديثه: “لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هي أعْظَمُ سُورَةٍ في القُرْآنِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ هي السَّبْعُ المَثانِي، والقُرْآنُ العَظِيمُ الذي أُوتِيتُهُ” [٥].

ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على فضل سورة الفاتحة بالقول: “والذي نفْسي بيَدِه، ما أُنزِلَ في التوراةِ، ولا في الإنجيلِ، ولا في الزَّبورِ، ولا في الفُرقانِ مِثلُها” [٦].

فضل سورة الفاتحة في قضاء الحوائج

تُعدّ سورة الفاتحة سلاحًا قويًا للحصول على قضاء الحوائج . فبقولك -تعالى-: “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ” [٨] ، تكون قد استعنت بالله -عز وجل- في قضاء حاجتك. هذا التضرع إلى الله تعالى هو دليل قاطع على الاستعانة به في قضاء الحوائج؛ فإنّ الله -تعالى- يقول للشيء كن فيكون [٩].

قراءة سورة الفاتحة بتدبر يساعد على تسيير الأمور وحلها بإذن الله -تعالى-. فعند تأمل كلماتها ، ستجد صفات الله وتدابيره، وقراءتها تؤدي إلى قضاء بالعدل عند الخصومة [٩].

سورة الفاتحة واستجابة الدعاء

تُعَدّ سورة الفاتحة سرًا للاستجابة للدعاء. فبتأمل دلالات ومعاني قوله -تعالى-: “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ” [١٠][١١]، نرى أنّ التوجه إلى الله بإخلاص وصدق، والتوسّل إليه وسؤاله -تعالى- الهداية للصراط المستقيم هو دليل على ستجابة الله للدعاء، ورضا رب العالمين عن الناس، وإجابة دعائهم بدخول الجنة والإقامة فيها بنعيم [١١].

المنجاة مع الله من خلال سورة الفاتحة

فرض الله على كلّ مسلمٍ قراءة سورة الفاتحة في كلّ ركعةٍ يؤدّيها، وجُعلت ركناً منأركان الصلاة لا تُقبل الصلاة إلّا بها، يكرّرها العبد على الأقل سبعة عشرة مرة كل يومٍ، وهذا مصداقاً لقول رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم-: “لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأْ بفاتِحَةِ الكِتابِ” [١٢].

قال رسول الله:(كلُّ صلاةٍ لا يُقرَأُ فيها بفاتحةِ الكِتابِ فهي خِداجٌ كلُّ صَلاةٍ لا يُقرَأُ فيها بفاتحةِ الكِتابِ فهي خِداجٌ كلُّ صلاةٍ لا يُقرَأُ فيها بفاتحةِ الكِتابِ فهي خداجٌ)،[١٣] ويُقصد بلفظ خِداج الفساد.

إنّ قراءة سورة الفاتحة في الصلاة تتحقّق فيها المناجاة بين العبد وربه. فبقول العبد: “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” [١٤]، يقول الله: “حمدني عبدي”، وحين يقول العبد: “الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ” [١٥]، يأتيه الجواب من الله: أن “أثنى عليّ عبدي”، وأثنى: أي كرّر الحمد مرةً ثانيةً، فالحمد وصفٌ بالكمال والإفضال، مع المحبة والتعظيم.

وبقول: “مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ” [١٦]، يقول الله: “مجّدني عبدي”، ممّا يدل على العظمة والملك. حين يقرأ العبد: “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ” [١٧]، يقول الله تعالى: “هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل”.

كان لا بدّ للعبد من الاستعانة ليتقوّى بها على العبادة المطلوبة منه لله تعالى، ولذلك قُدّمت الاستعانة على العبادة. تُجدر الإشارة إلى أنّ العبادة لا يمكن أن تكون من العبد إلّا لله وحده. أمّا الاستعانة فيمكن أن يطلبها العبد من العبد.

وإذا قال العبد: “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ” [١٨]، قال الله تعالى: “هذا لعبدي ولعبدي ما سأل”. وعلى المصلّي أن يستحضر المعاني السابقة؛ ليحقّق الصلة بينه وبين ربه.

معاني سورة الفاتحة الواسعة

تُعدّ سورة الفاتحة كنزًا من المعاني الواسعة، وتشتمل على معاني القرآن بشكلٍ عامٍ فيما يتعلّق بالتّوحيد والأحكام وأحكام الجزاء. لذلك سُميّت بأمّ القرآن وأمّ الكتاب كما ورد عن النبي-صلّى الله عليه وسلّم-، ففي العادة يقال إنّ للشيء أُمّاً إن كان له مرجعاً يرجع إليه، وعلامةً تُقصد ويُتّجه إليها، ولذلك فقد أوجب الله قراءتها في الصلاة [١٩].

تشتمل سورة الفاتحة على أفضل دعاء، بطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، كما أنّها تشتمل على آداب الدعاء؛ بالحمد أولاً، ثمّ الثناء، ثمّ التمجيد، وإفراد العبودية لله، والاستعانة به دون سواه، قال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: “إذا صلَّى أحدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللهِ والثَّناءِ عليهِ ثُمَّ لَيُصَلِّ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثُمَّ لَيَدْعُ بَعْدُ بِما شاءَ” [٢٠].

دروس تربوية من سورة الفاتحة

تُقدم سورة الفاتحة مجموعةً من الدروس التربوية المهمة. يُستحبّ التأمين فور الانتهاء من قراءة سورة الفاتحة أو سماعها، أي قول: “آمين”، ودليل ذلك قول الرسول- صلّى الله عليه وسلّم-: “كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا فرَغ مِن قراءةِ أُمِّ القُرآنِ رفَع صوتَه وقال: آمينَ” [٢١][٢٢].

ويُستحبّ ذلك للمصلي سواءً كان منفرداً أو في جماعةٍ، إماماً أو مأموماً، ودليل ذلك ما ثبت عن الإمام مسلم في صحيحه عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: “لا تُبَادِرُوا الإمَامَ إذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وإذَا قالَ: {وَلَا الضَّالِّينَ} فَقُولوا: آمِينَ” [٢٢].

لطائف من سورة الفاتحة

تُنير سورة الفاتحة عددًا من اللطائف والعِبر، منها:

  • يُفرّق بين لفظي الله والإله؛ فاسم الله مخصوصٌ به وحده سبحانه، فهو اسمٌ للذات القدسية العليا، ولا يتّصف بها إلّا المستحق للعبادة بحقٍّ، أمّا الإله فلفظٌ يُطلق على من يُعبد على حقٍ أو على باطلٍ.
  • تُسلّط سورة الفاتحة الضوء على أهم عملين من أعمال القلوب: الإخلاص والتّوكل.
  • تُبيّن أهمية الصحبة الصالحة والقدوة للمسلم، قال تعالى: “صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ” [٢٤].
  • التنويه إلى ضرورة وحدة الأمة واجتماعها على كلمة الحق.
  • ذكر حاجة المسلم إلى الهداية بجميع أنواعها: هداية الإرشاد والتوفيق والتثبيت.
  • ضرورة الحرص على الأدب في الكلام مع الله -سبحانه-، فعلى العبد أن ينسب النعمة والفضل إلى الله -تعالى-.

ختامًا، تُعدّ سورة الفاتحة كنزا من الفضائل والمعاني العميقة، وهي مفتاح لفهم كتاب الله وتعظيمه. إنّها دليل على مغفرة الذّنوب و شفاء الأمراض ، وأيضًا طريق للوصول إلى قضاء الحوائج و استجابة الدعاء. لذلك ، فإنّ قراءة سورة الفتح بانتظام ومع التدبر في معانيها تفتح بابًا للفضائل و الرحمة من اللّه -عز وجل-.

المراجع

  1. سورة الفاتحة، آية: 2.
  2. “تعريف سورة الفاتحة”، www.e-quran.com. اطّلع عليه بتاريخ 7-10-2019 بتصرّف.
  3. أبعادل محمد خليل (2017)، أول مرة أتدبر القرآن (الطبعة الثالثة)، الكويت: شركة اس بي حلول اعلامية متكاملة، صفحة 21-25، جزء 1. بتصرّف.
  4. محمد العثيميين (1434)، تفسير سورة الفاتحة (الطبعة الثانية)، الرياض: مؤسسة الشيخ محمد العثيمين الخيرية، صفحة 16-11، جزء 1. بتصرّف.
  5. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي سعيد بن المعلى، الصفحة أو الرقم: 4474، صحيح.
  6. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج المسند، عن ابي هريرة، الصفحة أو الرقم: 8682، إسناده صحيح.
  7. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم: 5736، صحيح.
  8. سورة سورة الفاتحة، آية:5
  9. أبعبد الله الجلالي، كتاب دروس للشيخ عبد الله الجلالي، صفحة 12. بتصرّف.
  10. سورة الفاتحة ، آية:6-7
  11. أبابن القيم ، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، صفحة 48. بتصرّف.
  12. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبادة بن الصامت، الصفحة أو الرقم: 756، صحيح.
  13. رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 1788، أخرجه في صحيحه.
  14. سورة الفاتحة، آية: 2.
  15. سورة الفاتحة، آية: 3.
  16. سورة الفاتحة، آية: 4.
  17. سورة الفاتحة، آية: 5.
  18. سورة الفاتحة، آية: 6-7.
  19. “مناسبة افتتاح القرآن بسورة الفاتحة”، www.dorar.net. اطّلع عليه بتاريخ 7-10-2019. بتصرّف.
  20. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن فضالة بن عبيد، الصفحة أو الرقم: 3477، حسن صحيح.
  21. رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 1806، أخرجه في صحيحه.
  22. أبرواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 415، صحيح.
  23. عبد الرحمن بن محمد القماش، الحاوي في تفسير القرآن الكريم (الطبعة الاولى)، موقع دار الإيمان: موقع دار الإيمان، صفحة 253-254، جزء 2. بتصرّف.
  24. سورة الفاتحة، آية: 7.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

فضل سورة البقرة – أعظم سور القرآن

المقال التالي

فقر الدم: الأسباب، الأعراض، التشخيص والعلاج

مقالات مشابهة

الفرق بين الكرامة والمعجزة والأحوال الشيطانية

تستعرض هذه المقالة الفروق بين الكرامة والمعجزة والأحوال الشيطانية أو السحر، وتناقش خصائص كل منها، وأمثلة على ذلك من خلال آيات القرآن الكريم وروايات السلف الصالح.
إقرأ المزيد

حقوق الإنسان في الإسلام

تُعدّ حقوق الإنسان في الإسلام من الأمور المهمة للغاية، فهي تمثل جوهرَ القيم الأخلاقية والاجتماعية في الدين الإسلامي. تشمل هذه الحقوق جميع جوانب الحياة البشرية، من حق الحياة إلى حق التعليم والعمل، وتكفل للفرد حقوقه الأساسية دون أي تمييز.
إقرأ المزيد