تمهيد
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. إن الصبر من أعظم الخصال التي يتحلى بها المؤمن، وهو دليل على قوة الإيمان والثقة بالله تعالى.
التوصية بالخشية
أيها المسلمون، أذكركم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي سبيل النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة. اتقوا الله حق التقوى، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]. وأيضاً قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الحديد: 28].
القسم الأول
أيها الإخوة، إن الحياة الدنيا مليئة بالابتلاءات والاختبارات، فالله سبحانه وتعالى يختبر عباده بالخير والشر، والغنى والفقر، والصحة والمرض. هذه الابتلاءات تتطلب من المؤمن الصبر والثبات. فالصبر هو نصف الإيمان، وقد ذكر في القرآن الكريم في مواضع عديدة. الصبر يعني حبس النفس عن الجزع والتسخط، وضبطها عند ورود المصائب، والتحلي بالأمل وحسن الظن بالله.
يمكن تقسيم الصبر إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
- الصبر عن المعاصي: فالنفس البشرية تميل إلى الشهوات والملذات، والشيطان يوسوس للإنسان بفعل المعاصي. يتطلب هذا النوع من الصبر مجاهدة النفس وتذكر عاقبة المعصية الوخيمة، واستشعار مراقبة الله في كل وقت وحين.
- الصبر على الطاعات: أداء العبادات يتطلب جهدًا ومشقة، مثل الصيام والقيام والصدقة. يجب على المسلم أن يتحلى بالصبر والمثابرة في أداء هذه العبادات، وأن يستشعر الأجر العظيم الذي ينتظره عند الله.
- الصبر على الأقدار المؤلمة: الحياة لا تخلو من المصائب والأحزان، مثل فقدان الأحبة والمرض والخسارة. يجب على المؤمن أن يواجه هذه المصائب بالصبر والرضا بقضاء الله وقدره، وأن يتجنب الجزع والتسخط والأفعال المحرمة.
إن أعظم أنواع الصبر هو الصبر عند الصدمة الأولى، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّما الصَّبرُ عندَ الصَّدمةِ الأولى). ويقول الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 155-156].
من الأمور التي تعين على الصبر: الرضا بقضاء الله وقدره، وتذكر الأجر العظيم الذي أعده الله للصابرين، واليقين بأن الفرج قريب وأن الله لا يضيع أجر المحسنين، وتذكر نعم الله الكثيرة التي أنعم بها علينا.
إن أجر الصابرين عظيم وجزاؤهم كبير، قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: 10].
قال شريح رحمه الله: “إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عليها أربع مرات، أحمد إذ لم يكن أعظم منها، وأحمد إذ رزقني الصبر عليها، وأحمد إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو من الثواب، وأحمد إذ لم يجعلها في ديني”. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إنَّ أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أنَّ الصبر كان من الرجال كان كريمًا”.
فلنواجه البلاء بالصبر الجميل، كما قال الله تعالى: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [يوسف: 18]. ولنسأل الله أن يرزقنا الصبر الجميل، وأن يعيننا على مواجهة صعاب الحياة.
إن أمر المؤمن كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له) [مسلم].
أستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين.
القسم الثاني
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أيها الإخوة، يجب علينا أن نجعل المصائب التي تصيبنا دافعًا لمراجعة أنفسنا وتصحيح أخطائنا، فالله تعالى يقول: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [الشورى: 30].
تذكروا أن الصبر له فضل عظيم ومكانة كبيرة في الإسلام، والله تعالى يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب، وقد أثنى الله على الصابرين وبشرهم بالجزاء الحسن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين”.
ابتهال
أيها المسلمون، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة:
(اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ، وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما صَلَّيْتَ علَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ علَى مُحَمَّدٍ، وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما بَارَكْتَ علَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) [البخاري].
اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم قنا شح أنفسنا واجعلنا من المفلحين، اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اجعلنا من الصابرين، الراضين بقضائك وقدرك يا رب العالمين. اللهم اجعلنا صابرين في البلاء وشاكرين في السّراء، وصلّى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم ارزقنا الصبر الجميل، واجعلنا من السعداء المقبولين.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وأقم الصلاة.
المصادر
- القرآن الكريم
- صحيح البخاري
- صحيح مسلم
