إسلاميات

غزوة الأحزاب: معركة الخندق وتأثيرها على مسيرة الإسلام

جدول المحتويات

أسباب الغزوة وتاريخها

اتفق العلماء على أن السبب المباشر لغزوة الخندق هو الحقد والحسد الذي أضمره يهود بني النضير بعد إجلائهم من المدينة من قبل النبي (صلى الله عليه وسلم). بعد أن أجلاهم النبي (صلى الله عليه وسلم) من المدينة، بدأوا ينتظرون الفرص للتشفي والانتقام منه. وكان سبب إجلائهم ما فعلوه من التحريض على المسلمين. [١]

بعد أن أجلاهم النبي (صلى الله عليه وسلم) من المدينة، حاول بعض أشراف بني النضير، مثل حيي بن أخطب وسلام بن مشكم، الانتقام من المسلمين. فذهبوا إلى أشراف قريش، وحرّضوهم على حرب المسلمين والرسول (صلى الله عليه وسلم)، ووعدوهم بإعانتهم ونصرتهم، فقالوا: “إِنَّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ”. وافقت قريش على ذلك، وقالت لهم: يا معشر اليهود، إنكم أهل كتاب، أفدينُنا خيرٌ أم دينه؟ فقالوا: دينكم أفضل. فنزل قول الله -تعالى-:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) [٢]

ثم ذهب اليهود إلى تحريض غطفان على المسلمين. فاستجابوا لهم أيضًا وخرجوا معهم. وقد كانت هذه الغزوة في شوّال من السنة الخامسة للهجرة. [٣]

تسمية الغزوة والأحزاب المشاركة

سبب تسمية غزوة الأحزاب

سُمّيت غزوة الأحزاب بهذا الاسم؛ بسبب استجابة المشركين لدعوة أشراف بني النضير في الحرب على الإسلام. خاب المشركون من القضاء على الإسلام والمُسلمين في غزوة أُحد، وكذلك بسبب استجابة غطفان معهم. فقال الله -تعالى-:

(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَـذَا مَا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) [٤] [٥]

الأحزاب المشاركة في غزوة الأحزاب

كانت الأطراف المحاربة للنبي -عليه الصلاة والسلام- في غزوة الخندق تتكون من خمسة أصناف، وهُم: مُشركو أهل مكّة، ومُشركو القبائل العربية، واليهود من خارج المدينة، وبنو قُريظة، والمُنافقون. [٧]

عدد المسلمين والمشركين

بلغ عدد المسلمين الذين خرجوا مع النبي -عليه الصلاة والسلام- قُرابة ثلاثة آلاف مُقاتل، [٨] وبلغ عدد الصحابة الذين استُشهدوا فيها ثمانية. وكان منهم زعيم الأوس سعد بن مُعاذ -رضي الله عنه-، حيث أُصيب في أكحله، وبنى له المسلمون خيمةً في المسجد، ومات بسبب جُرحه. [٩]

بلغ عدد المشركين قُرابة عشرة آلاف مُقاتل، وكان أربعةُ آلافٍ منهم من قُريش وأحابيشها، ومن تبعهم من عرب كِنانة وأهل تِهامة. قادوا معهم ثلاثمئة فرسٍ، وألفاً وخمسمئة بعيرٍ، وسبعمئة مُقاتلٍ من بني سليم، وألف مُقاتلٍ من قبائل غطفان، وأربعمئة مُقاتلٍ من بني مُرّة، وأربعمئة مقاتلٍ من بني أشجع. خرج معهم قومٌ آخرون. [١٠] وقُتل من المشركين ثلاثة رجال، وهُم: عمرو بن عبد ودّ العامريّ، وابنه حسل، ونوفل بن عبد الله المخزوميّ. [١١]

مجريات غزوة الأحزاب

تآمر المشركون ومن كان معهم على النبي -عليه الصلاة والسلام- وأصحابِه، واتّجهوا نحوالمدينة. فأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- بأخذ مشورة سلمان الفارسي بحفر الخندق من جهة الشمال؛ وذلك لأن الجبال والبساتين تُحيط بها من جميع جوانبها ما عدا جهة الشمال. وهجوم المشركين عليها يكون من هذه الجهة. [١٢]

لمّا وصل الأعداء إلى المدينة، فُوجِئُوا بوجود الخندق. فذهب زعيمهم حُييّ بن أخطب إلى الجهة الجنوبية التي لم يكن فيها الخندق، وكان يسكُنها بنو قريظة. فحرّضبني قُريظة على نقض عهدهم مع النبي -عليه الصلاة والسلام-. فرفض زعيمهم ذلك في البداية، لكنّه وافق في النهاية بعد أن أغراه بقوة الأحزاب وعددهم والأسلحة التي معهم، وطمْأَنه بأنّ النصر سيكون معهم. [١٣]

أشار النبي -عليه الصلاة والسلام- مُصالحتهم على ثُلث ثمار المدينة، لكن الأنصار رفضوا ذلك؛ لِعزّة الإسلام وأهله. و بدأ القتال بدخول بعض المشركين من زوايا الخندق الضيقة، وقتلهم المسلمون. [١٤]

جاء نعيم بن مسعود -رضي الله عنه- إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- بإسلامه، وأخفاه عن قومه. فقال له النبيّ أن يُخذِّل عنهم ويحميهم بقدر ما يستطيع، فإن الحرب خدعة. ففرّق بين المشركين وحُلفائهم وبين بني قُريظة، وأوقع الشكّ بينهم. فسأل قريش هل يسمعوا كلامه ويقبلوا بنصيحته لثقتهم به، فأجابوه بالقبول. فقال لهم إن اليهود ندموا على نقض العهد الذي كان بينهم وبين النبيّ والمسلمين، وأنّهم تواصلوا معه لأخذ رهائن من قريش عوضاً عن ذلك، ثمّ يجدّدوا العهد معهم. وطلب نعيم من قريش ألا يستجيبوا لهم ويعطوهم الرهان. ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهم مثل ذلك.

فأرسل الله -تعالى- عليهم ريحاً شديدةً وباردةً، فقُلِبت قُدورهم وخيامهم، وشعر المشركون بالرُّعب، وارتحلوا من مكانهم. وقد قال الله -تعالى- واصفاً هذا المشهد في كتابه الكريم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا* إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّـهِ الظُّنُونَا). [١٥] [١٤] [١٦]

نتائج غزوة الأحزاب

انتهت غزوة الأحزاب بنصر الله -تعالى- للمؤمنين بالرغم من قلّة عددهم. وأيّدهم بِجُندٍ من عنده، وأمدّهم بالثبات والطّمأنينة. لقوله -تعالى-:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) [١٧] [١٨]

وكانت غزوة الأحزاب عبارةً عن معركة أعصاب ولم تكن معركة خسائر؛ لأنه لم يجري فيها قتالٌ كبيرٌ. انتهت بتخاذل المشركين، وقَويت شوكة المسلمين. لقوله -عليه الصلاة والسلام-:

(الآنَ نَغْزُوهُمْ ولَا يَغْزُونَنَا، نَحْنُ نَسِيرُ إليهِم). [١٩] [٢٠]

المراجع

  1. إبراهيم بن محمد المدخلي (1424 هـ)، مرويات غزوة الخندق، (الطبعة الأولى)، المدينة المنورة: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، صفحة 45. بتصرّف.
  2. سورة النساء، آية: 51-52.
  3. موسى بن راشد العازمي (2011)، اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون «دراسة محققة للسيرة النبوية»، (الطبعة الأولى)، الكويت: المكتبة العامرية للإعلان والطباعة والنشر والتوزيع، صفحة 139-141، جزء 3. بتصرّف.
  4. سورة الأحزاب، آية: 22.
  5. منير محمد الغضبان (1992)، فقه السيرة النبوية، (الطبعة الثانية)، مكة المكرمة: جامعة أم القرى، صفحة 496-497. بتصرّف.
  6. أحمد حطيبة، تفسير الشيخ أحمد حطيبة، صفحة 3، جزء 254. بتصرّف.
  7. سعيد بن علي بن وهف القحطاني، شروط الدعاء وموانع الإجابة في ضوء الكتاب والسنة، الرياض: مطبعة سفير، صفحة 83، جزء 1. بتصرّف.
  8. صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الهلال، صفحة 280. بتصرّف.
  9. أكرم ضياء العمري (1994)، السِّيرةُ النَّبَويَّةُ الصَّحيْحَةُ مُحَاوَلَةٌ لِتَطبِيْقِ قَوَاعِدِ المُحَدِّثيْنَ فِيْ نَقْدِ روَايَاتِ السِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ، (الطبعة السادسة)، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، صفحة 429، جزء 2. بتصرّف.
  10. موسى بن راشد العازمي (2011)، اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون «دراسة محققة للسيرة النبوية»، (الطبعة الأولى)، الكويت: المكتبة العامرية للإعلان والطباعة والنشر والتوزيع، صفحة 141، جزء 3. بتصرّف.
  11. محمد بن محمد العواجي (2004)، مرويات الإمام الزهري في المغازي، (الطبعة الأولى)، صفحة 515، جزء 1. بتصرّف.
  12. صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم(الطبعة الأولى)، بيروت: دار الهلال، صفحة 279. بتصرّف.
  13. صالح بن طه عبد الواحد (1428 هـ)، سُبُل السَّلام مِن صَحيح سيرة خَير الأنَامِ عَليه الصَّلاة وَالسَّلام، (الطبعة الثانية)، تركيا: مكتبة الغرباء، صفحة 436، جزء 1. بتصرّف.
  14. أبمصطفى بن حسني السباعي (1985)، السيرة النبوية – دروس وعبر، (الطبعة الثالثة)، المكتب الإسلامي، صفحة 89-90. بتصرّف.
  15. سورة الأحزاب، آية: 9-10.
  16. صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم(الطبعة الأولى)، بيروت: دار الهلال، صفحة 286. بتصرّف.
  17. سورة الأحزاب، آية: 9.
  18. إبراهيم بن محمد المدخلي (1424 هـ)، مرويات غزوة الخندق، (الطبعة الأولى)، المدينة المنورة: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، صفحة 417-418. بتصرّف.
  19. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن سليمان بن صرد، الصفحة أو الرقم: 4110، صحيح.
  20. صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الهلال، صفحة 287. بتصرّف.
بقلم
Jeffrey Johnson

Senior journalist with 17+ years covering science across the Middle East and beyond.