نص الحديث الشريف
روى الإمام مسلم -رحمه الله- في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- قال:
“(أَتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المُفْلِسُ فِينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ، فقالَ: إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يَأْتي يَومَ القِيامَةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ).[١] ويكمل رسول الله:(ويَأْتي قدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْضَى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهُمْ فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ).”[١]
العِبر والفوائد المستخلصة من الحديث
يحمل هذا الحديث النبوي الكريم في طياته مجموعة من الدروس القيمة والتوجيهات الهامة للمسلمين، وتتجلى هذه العِبر والفوائد في النقاط التالية:
- بدأ النبي -صلى الله عليه وسلم- الحديث بسؤال استنكاري موجهًا للصحابة -رضوان الله عليهم-؛ وذلك بغرض تنبيههم وإعلامهم بأمرٍ يجهلونه، وهو المفهوم الحقيقي للإفلاس.
- بينما يقتصر تعريف الإفلاس في عرف الناس على الفقر المادي، كشف الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن بعدٍ آخر للإفلاس، وهو الإفلاس الأخروي، أي خسارة الحسنات يوم القيامة.
- يحذر الحديث بشدة من التعدي على حقوق الآخرين بأي شكل من الأشكال، سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل. فكل من ظلم شخصًا آخر، سيقتص منه يوم القيامة، وسيؤخذ من حسناته لتعويض المظلوم، وإذا لم تبق له حسنات، فسيتحمل من سيئات المظلوم.
- يؤكد الحديث على أهمية الحرص على أداء الحقوق وإيفائها لأصحابها في الدنيا قبل الآخرة، لتجنب عواقب الظلم يوم القيامة، حيث لا ينفع مال ولا بنون.
- يشير ذكر النار في الحديث إلى أن الظالم قد يعاقب بدخول النار بسبب ظلمه، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة الخلود فيها، فمصير المسلم في نهاية المطاف هو الجنة، ولكن عذاب النار شديد ولا يقوى عليه أحد.
الفهم العام للحديث
يشرح الحديث النبوي الشريف أن الإفلاس الحقيقي لا يتمثل في فقدان المال والممتلكات، بل في خسارة الحسنات يوم القيامة بسبب الظلم والتعدي على حقوق الآخرين. فالإنسان الذي يأتي يوم القيامة محملاً بالصلاة والصيام والزكاة، ولكنه في الوقت نفسه قد ظلم الناس وشتمهم وأكل أموالهم بغير حق، فإنه سيجد نفسه مفلسًا، حيث ستؤخذ حسناته لتعويض المظلومين.
يوم الحساب، يأتي العبد بصحائف مليئة بالأعمال الصالحة، كالصلاة والصيام والزكاة والصدقات، ولكنه في المقابل قد ارتكب مظالم في حق الناس، كالشتم والقذف وسفك الدماء وأكل أموالهم. فتؤخذ حسناته لتعويض المظلومين، حتى يصبح مفلسًا معدمًا من الحسنات.[٣]
إذا لم تكفِ حسنات الظالم لتعويض جميع المظلومين، فإنه يؤخذ من سيئاتهم وتطرح عليه.[٣] لذا، يجب على المسلم أن يحافظ على حسناته التي اكتسبها بالطاعات، ويتجنب الأعمال التي تضيعها، كالشتم والقذف والاعتداء، فالقيام بهذه الأفعال يجعل المسلم خاسراً.[٤]
المراجع
- رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:2581، صحيح.
- محمد بن عثيمين (1426)، شرح رياض الصالحين، الرياض: دار الوطن للنشر، صفحة 528-530، جزء 2. بتصرّف.
- أحمد حطيبة، شرح الترغيب والترهيب للمنذرى، صفحة 4، جزء 51. بتصرّف.
- مجموعة من المؤلفين (2009)، فتاوى الشبكة الإسلامية، صفحة 1336، جزء 3. بتصرّف.








