عِبر وعِظات من حكاية أصحاب الأيكة

استخلاص العبر والعظات من حكاية أصحاب الأيكة. من هم أصحاب الأيكة؟ الصفات البارزة لحياتهم كما ذكرها القرآن. أنواع العذاب الذي نزل بهم. المصادر والمراجع.

العِبر المستفادة من قصة أصحاب الأيكة

بالتمعّن في حكاية أصحاب الأيكة وما جاء فيها من تفاصيل، تتضح لنا مجموعة من العِبر القيّمة التي يمكن الاستفادة منها في حياتنا، ومن أهمها:

  • إنّ الإشراك بالله هو أعظم الذنوب وأكبر الظلم، فالشرك بالله ظلم عظيم.

  • الشرك سبب رئيس في فقدان الرقابة الذاتية التي تُعدّل سلوك الفرد، فالإنسان يجب أن يستشعر الرقابة في كل عمل يقوم به، وأن يعلم أنّ هذا العمل سيكون سببًا لسعادته في الدنيا والآخرة، وأنه سيُحاسب عليه أمام الله.

  • إهمال دور العبادات في الحياة يُعدّ سلوكًا خاطئًا، فالصلاة يجب أن يكون لها دور فعّال في تهذيب السلوك، خاصة فيما يتعلق بالمعاملات كالمكاييل والموازين، والالتزام بالمعايير المتفق عليها والتي أقرتها الشريعة الإسلامية.

  • قدرة الله تعالى فوق كل شيء، والاعتداء على الضعفاء واستغلالهم يجلب المصائب والنقم في الدنيا والآخرة، فالله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، وقوة الله غالبة على أمر الناس.

  • التحاكم إلى الحق والعدل هو أساس استقامة الحياة، وليس الاعتماد على القوة والنفوذ لظلم الناس وأكل حقوقهم، فذلك يؤدي إلى غضب الله وعذابه في الدنيا والآخرة، والاحتكام إلى الحق والعدل هو المعيار الضابط لاستقامة الحياة.

  • الأغلبية الجاهلة ليست دائمًا على صواب، فقد يكون الرأي الصائب مع شخص واحد حكيم، فالالأغلبية الجاهلة لا تكون على حق، والرأي الواحد الراشد يكون على الحق.

  • الرجوع إلى التفكير السليم، وفهم الوجود المادي والمعنوي، وربط أفعال الإنسان بسلوكه، وإدراك القوانين الاجتماعية التي تحكم حياة الإنسان، كل ذلك يؤدي إلى السعادة في الدنيا والآخرة.

  • التغافل عن الربط بين الأسباب والنتائج يؤدي إلى الهلاك، كما حدث للأمم السابقة التي لم تتعظ ولم تأخذ العبرة من أخطائها.

من هم أصحاب الأيكة؟

أصحاب الأيكة هم قوم النبي شعيب -عليه السلام-، وهم قبيلة عربية قديمة كانت تسكن في شمال غرب الجزيرة العربية، و”الأيكة: الشجر الملتفّ، وقيل: هي الغيضة تنبت السد والأراك ونحوهما”.[4]

ملامح حياتهم في القرآن الكريم

فيما يلي عرض لأبرز السمات الحياتية التي اتصف بها قوم شعيب (أصحاب الأيكة)، كما وردت في القرآن الكريم:

الخصائص العقائدية لأصحاب الأيكة

كانوا مشركين بالله تعالى، وهذا ما دعاهم إليه نبيهم شعيب عليه السلام، مصححًا لمعتقداتهم الفاسدة، قال تعالى:(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ).[5]

الخصائص الاقتصادية لأصحاب الأيكة

كانوا يمارسون الغش في الميزان، ويقللون من قيمة السلع والبضائع، وهذا ما نهى عنه نبيهم وحذرهم من عواقبه، قال تعالى:(وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ).[6]

الخصائص السلوكية والاجتماعية لأصحاب الأيكة

امتازوا بعدد من الصفات السيئة، منها:

  • الاستهزاء بالأنبياء والمصلحين، وهذا ما فعلوه مع نبيهم شعيب، قال تعالى:(قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ).[7] لقد استهزأ أصحاب الأيكة بالنبي شعيب -عليه السلام-؛ بدءًا من دعوته إلى الالتزام بالضوابط في التصرفات المالية، والتي يجب أن تحكمها أسس إيمانية وأخلاقية ومعايير مادية كالوفاء بالميزان، وبالتالي كانت الفوضى في المعايير الاقتصادية نتيجة منطق القوة، كما سخروا منه لأنه كان يخالف رأي الأغلبية، وأن الحلم والرشد يقتضي إعادة النظر في منطقه وتفكيره.

  • النظر إلى الخلاف من منظور شخصي وليس موضوعي، وهذا يتضح في قول الله تعالى:(وَيَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي).[9] أي: لا تحملنكم عداوتي وبغضي ومخالفة الدين الذي أدعو إليه، على الإصرار على الكفر وعبادة الأوثان، والغش في المكيال والميزان، والإعراض عن التوبة، فيصيبكم العذاب.

  • الاعتماد على القوة وعدم الاهتمام بنصائح المصلحين، وكان المانع لهم من قتل النبي شعيب هو قوة عشيرته، كما جاء في قولهم:(وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ* قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).[11] أي: لولا وجودك في عشيرتك وقومك لقتلناك.

الخصائص الفكرية لأصحاب الأيكة

تمثلت هذه الخصائص في عدة تصرفات، منها:

  • غياب التفكير المنطقي سواء في النظر العقلي واتباع الحجة والبرهان، أو في التعظ بسير الأمم السابقة، ويتضح عدم الاقتناع بالبينة والحجة في قوله تعالى:(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).[13]

  • عدم الاعتبار بسير الأمم السابقة، وعدم فهم السنن الإلهية في الحياة، وهذا ما جاء في قوله تعالى:(وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ* وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ* قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ).[14]

  • عدم الاكتراث بتحذيرات النبي شعيب من عذاب الله الذي سيقع عليهم، إذا لم يغيروا سلوكهم ويتجهوا إلى الله تعالى، قال تعالى:(وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ).[15]

أشكال العذاب الذي حلّ بهم

كما هي سنة الله في الأمم التي كذبت رسله، فقد نزل العذاب على أصحاب الأيكة بأشكال مختلفة، منها:

  • أخذتهم الصيحة، قال تعالى:(وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ* كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ).[16]

  • عذاب يوم الظلة:(فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ).[17] قيل: أصابهم حرّ شديد أقلقهم في بيوتهم؛ فظهرت لهم سحابة كظلة فخرجوا إليها ليستظلوا بها، فلما اجتمعوا تحتها أخذتهم الرجفة.

المصادر والمراجع

  1. محمد منير الجنباز (13/11/2014)،”قصة قوم شعيب عليه السلام”،الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 8/2/2022.
  2. الطبري،تفسير الطبري، صفحة 266. بتصرّف.
  3. فاطمة علي (21/9/2021)،”من هم أصحاب الأيكة”،مقال، اطّلع عليه بتاريخ 8/2/2022.
  4. الطبري،تفسير الطبري، صفحة 266.
  5. سورة هود، آية:84
  6. سورة هود، آية:85
  7. سورة هود، آية:87
  8. محمد منير الجنباز (13/11/2014)،”قصة قوم شعيب عليه السلام”،الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 8/2/2022.
  9. سورة هود، آية:89
  10. الطبري،تفسير الطبري، صفحة 232.
  11. سورة هود، آية:91-92
  12. الطبري،تفسير الطبري، صفحة 232.
  13. سورة هود، آية:88
  14. سورة هود، آية:89-91
  15. سورة هود، آية:93
  16. سورة هود، آية:94-95
  17. سورة الشعراء، آية:189
  18. الطبري،تفسير الطبري، صفحة 375.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

عِبر وغايات من غزوة تبوك في حاضرنا

المقال التالي

عبر وفوائد من حكاية أهل الكهف

مقالات مشابهة

تطور بناء الكعبة عبر التاريخ

معلومات تفصيلية حول تاريخ إنشاء الكعبة المشرفة، بدءًا من وضع الأساسات الأولى، مرورًا ببناء الملائكة وسيدنا آدم وسيدنا إبراهيم، وصولًا إلى عمليات الترميم والإعمار التي تمت عبر العصور.
إقرأ المزيد