شهد عالم الطب إنجازاً غير مسبوق في مستشفى جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA)، حيث أُجريت بنجاح أول عملية زرع مثانة بشرية كاملة. هذه العملية التاريخية لا تمثل مجرد تقدم جراحي، بل تفتح آفاقاً واسعة لعلاج الملايين حول العالم الذين يعانون من حالات فشل المثانة المعقدة.
لطالما كانت مشاكل المثانة، التي تتراوح من الأعراض الخفيفة إلى الفشل الكامل، تحدياً طبياً كبيراً يؤثر على جودة حياة المرضى. ومع محدودية الخيارات العلاجية المتاحة سابقاً، يأتي هذا الإنجاز كبارقة أمل حقيقية، واعداً بتحويل مسار رعاية مرضى المثانة إلى الأفضل.
جدول المحتويات
- ما وراء الإنجاز التاريخي وتفاصيل العملية
- تحديات زراعة الأعضاء والمثانة
- رحلة التحضير والتدريب المكثف
- تفاصيل العملية الجراحية المعقدة
- زراعة المثانة: مقارنة بالعلاجات التقليدية
- مستقبل زراعة المثانة في UCLA
- خاتمة
ما وراء الإنجاز التاريخي وتفاصيل العملية
في الرابع من مايو عام 2025، كتب التاريخ سطراً جديداً في مركز رونالد ريغان الطبي بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA)، حيث أُجريت بنجاح أول عملية زرع مثانة بشرية. هذه العملية لم تكن مجرد إجراء جراحي، بل كانت ثمرة أعوام طويلة من البحث والتطوير المكرس.
فريق الجراحين والرؤية الطبية
قاد هذا الإنجاز فريق جراحي متميز بقيادة الدكتور نيما نصيري، وهو جرّاح مختص بزراعة الكلى والأعضاء البولية، ومدير برنامج زراعة المثانة المركبة في UCLA. وقد حظي الدكتور نصيري بدعم وتعاون الدكتور إندربير غيل، المدير التنفيذي المؤسس لقسم جراحة المسالك البولية في جامعة جنوب كاليفورنيا (USC).
أكد الدكتور مارك ليتوين، رئيس قسم المسالك البولية في جامعة UCLA، أن زراعة المثانة كانت محور اهتمام الدكتور نصيري الأكاديمي منذ انضمامه للفريق. ويعرب الفريق بأكمله عن سعادته البالغة برؤيته هذا العمل ينتقل من البحث المخبري إلى التطبيق الفعلي على المرضى في مستشفيات UCLA، التي تشتهر ببرامج زراعة الأعضاء الأكثر نجاحاً في المنطقة الغربية من الولايات المتحدة.
قصة المريض الأول: أمل جديد
المريض الذي خضع لهذه العملية الرائدة كان يعاني من حالة صحية معقدة للغاية. فقد فقد معظم مثانته الأصلية بعد عملية استئصال ورم سرطاني، مما جعل الجزء المتبقي منها غير قادر على أداء وظيفته. كما كان قد خضع سابقاً لاستئصال كلتا كليتيه بسبب سرطان الكلى ومرض كلوي متقدم، مما جعله يعتمد على غسيل الكلى لمدة سبع سنوات كاملة. هذه العملية قدمت له أملاً جديداً وفرصة لتحسين جودة حياته بشكل جذري.
تحديات زراعة الأعضاء والمثانة
تعتبر عمليات زرع الأعضاء بشكل عام من الإجراءات الطبية المعقدة التي تحمل في طياتها تحديات كبيرة، خاصة فيما يتعلق بضمان قبول الجسم للعضو الجديد والحفاظ على سلامة المريض على المدى الطويل.
مخاطر الرفض والأدوية المثبطة للمناعة
أكبر خطر يواجه عمليات زراعة الأعضاء هو احتمالية رفض الجهاز المناعي للجسم للعضو المزروع. ولمكافحة هذا الرفض، يتوجب على المرضى تناول أدوية مثبطة للمناعة مدى الحياة. هذه الأدوية، على الرغم من حيويتها لنجاح الزرع، تحمل آثاراً جانبية محتملة تتراوح من زيادة خطر الإصابة بالعدوى إلى مشاكل صحية أخرى طويلة الأمد.
من هم المرشحون لزراعة المثانة؟
بالنظر إلى الحاجة الملحة للأدوية المثبطة للمناعة، فإن أفضل المرشحين لزراعة المثانة هم عادة الأشخاص الذين يتناولون هذه الأدوية بالفعل لحالات صحية أخرى، أو من يُتوقع أن يحتاجوا إليها قريباً. هذا يقلل من العبء الإضافي والآثار الجانبية المحتملة المرتبطة ببدء نظام علاجي جديد لتثبيط المناعة.
رحلة التحضير والتدريب المكثف
لم تأتِ عملية زرع المثانة هذه وليدة الصدفة، بل كانت نتيجة تخطيط دقيق، وبحث متواصل، وتدريب مكثف استمر لسنوات طويلة. هذا الإعداد الشامل كان ضرورياً للتغلب على التعقيدات الجراحية المرتبطة بهذا النوع من العمليات.
سنوات من البحث والتطوير
تعاون الطبيبان نصيري وغيل لسنوات عديدة لتطوير وصقل التقنية الجراحية اللازمة لزراعة المثانة. استغرقت هذه المحاولة الرائدة أربع سنوات من التحضير المتواصل، وشملت إجراء العديد من التجارب والإجراءات التحضيرية في مراحل ما قبل السريرية. تم ذلك بالتعاون مع جامعة جنوب كاليفورنيا (USC) ومنظمة OneLegacy، وهي الهيئة المسؤولة عن التبرع بالأعضاء في جنوب كاليفورنيا.
التحضيرات الجراحية المتقدمة
خلال مرحلة البحث والتطوير، أجرى الطبيبان العديد من عمليات الزراعة التجريبية في مركز كيك الطبي بجامعة جنوب كاليفورنيا. وشمل ذلك أولى عمليات استخراج المثانة باستخدام الروبوت، بالإضافة إلى عمليات زرع روبوتية ناجحة على خمس حالات لأشخاص متوفين حديثاً، تم الحفاظ على وظيفة القلب لديهم باستخدام أجهزة التنفس الاصطناعي. كما قاموا بإجراء عدد من عمليات استئصال المثانة غير الروبوتية في منظمة OneLegacy، مما ساعدهم على إتقان التقنيات اللازمة للعملية والعمل بانسجام مع فريق جراحي متعدد التخصصات.
تفاصيل العملية الجراحية المعقدة
تطلب إجراء هذه العملية الجراحية الأولى دقة فائقة ومهارة استثنائية، نظراً لتعقيد شبكة الأوعية الدموية في منطقة الحوض والمتطلبات التقنية للجراحة.
مراحل الإجراء الجراحي
استغرقت العملية المعقدة حوالي ثماني ساعات. بدأت باستئصال الكلى والمثانة من المتبرع في مركز OneLegacy، مع الحرص على تطبيق أعلى وأحدث معايير البحث والطب. بعد ذلك، قام الأطباء بزراعة الكلى أولاً، ثم المثانة. الخطوة الحاسمة تضمنت توصيل المثانة الجديدة بالكلى الجديدة باستخدام التقنية المبتكرة التي طورها الطبيبان نصيري وغيل.
النتائج الفورية المبشرة
فور الانتهاء من الزراعة، كانت النتائج مبشرة للغاية. صرح الدكتور نصيري قائلاً: “مباشرة بعد الزراعة، أنتجت الكلى كمية كبيرة من البول، وتحسنت وظائف الكلى عند المريض فوراً أيضاً. لم يعد المريض بحاجة إلى غسيل الكلى، وأصبح البول يتجمع بشكل طبيعي في المثانة الجديدة.” هذه الاستجابة السريعة والفعالة تؤكد نجاح الإجراء وتفتح الباب أمام مستقبل أكثر إشراقاً للمريض.
زراعة المثانة: مقارنة بالعلاجات التقليدية
يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من أمراض ومشاكل في المثانة تتراوح شدتها، حيث يتطور الأمر لدى البعض إلى حالات فشل المثانة التي تسبب ألماً مزمناً والتهابات ومضاعفات صحية خطيرة.
محدودية الحلول الحالية لمشاكل المثانة
تتمثل العلاجات المتاحة حالياً للأشخاص الذين استؤصلت مثانتهم أو يعانون من ضعف متقدم فيها، في عمليات جراحية لتبديل المثانة أو تكبيرها باستخدام جزء من أمعاء المريض. يتم تصنيع مثانة جديدة من الأمعاء أو إنشاء مسار يسمح بخروج البول من الجسم. وعلى الرغم من فعالية هذه الجراحات، إلا أنها تحمل مخاطر محتملة على المدى القريب والبعيد، مثل النزيف الداخلي، والالتهابات البكتيرية، ومشاكل الجهاز الهضمي.
مزايا زراعة المثانة كحل طبيعي
في المقابل، تقدم زراعة المثانة من متبرع حلاً طبيعياً أكثر. يقول الدكتور نصيري: “ينتج عن زراعة المثانة خزان بولي يشبه المثانة الأصلية، وقد يسهم ذلك في تجنب حدوث مشاكل مرتبطة بالأمعاء على المدى القصير والطويل.” هذا يعني تحسين جودة الحياة وتقليل المضاعفات التي قد تنجم عن استخدام الأمعاء كبديل للمثانة.
مستقبل زراعة المثانة في UCLA
باعتبارها التجربة الأولى لزراعة مثانة بشرية، لا تزال هناك بعض الجوانب التي تتطلب مزيداً من البحث والمتابعة، لكن الآفاق المستقبلية تبدو واعدة للغاية.
الآفاق المستقبلية للتجارب السريرية
من الطبيعي أن تكون هناك بعض الأمور المجهولة حول كفاءة عمل المثانة المزروعة على المدى الطويل، ومقدار الأدوية المثبطة للمناعة التي سيحتاجها المريض في النهاية. تهدف هذه العملية، التي أجريت كجزء من تجربة سريرية لجامعة UCLA، إلى جمع المزيد من البيانات والمعلومات للإجابة على هذه التساؤلات. ويأمل الدكتور نصيري في إجراء المزيد من عمليات زراعة المثانة في المستقبل القريب لتوسيع نطاق الاستفادة من هذا الإنجاز.
لماذا UCLA رائدة في هذا المجال؟
لطالما كان قسم المسالك البولية في UCLA في طليعة عمليات زراعة الأعضاء البولية. تمتلك UCLA البنية التحتية المتطورة، والخبرة السريرية، والدعم متعدد التخصصات في قسم واحد، وهي جميعها عوامل أساسية لإجراء مثل هذه العمليات المعقدة وتقديم الرعاية الشاملة للمرضى، من مرحلة التقييم قبل الزرع وصولاً إلى الرعاية ما بعد العملية. هذا يجعلها مركزاً مثالياً لمواصلة الريادة في مجالات زراعة الكلى والآن زراعة المثانة.
خاتمة
يمثل نجاح أول عملية زرع مثانة بشرية في مستشفى UCLA لحظة تاريخية في الطب الحديث. هذا الإنجاز لا يعكس فقط براعة الجراحين والباحثين، بل يجسد أيضاً أملاً متجدداً للملايين الذين يعانون من مشاكل المثانة المزمنة. وبينما يتطلب الأمر المزيد من البحث والمتابعة لتقييم النتائج على المدى الطويل، فإن هذه الخطوة الجريئة تؤكد التزام العلم بتحسين حياة الإنسان وتفتح فصلاً جديداً في تاريخ زراعة الأعضاء.








