صورة المرأة في قصائد عنترة بن شداد

تحليل لصورة المرأة كما تجلت في أشعار الفارس والشاعر عنترة بن شداد، مع أمثلة من قصائده الشهيرة. إِذا الريحُ هَبَّت مِن رُبى العَلَمَ السَعدي. إِذا كانَ دَمعي شاهِدي كَيفَ أَجحَدُ. لَعوبُ بِأَلبابِ الرِجالِ كَأَنَّها

التعبير الشعري عن المرأة لدى عنترة

لم يكن الشاعر والفارس عنترة بن شداد العبسي بمعزل عن تصوير المرأة في أشعاره، فقد كانت “عبلة” المحبوبة الأثر العميق في تجربته الشعرية. تجلى هذا التأثير في قصائده، حيث عرف بعذوبة الغزل وعفته، وتجسدت فيه معاناة الحب الصادق.[1] تميز شعره بوصف دقيق لمشاعر الشوق والحنين، والتعبير عن الألم الناتج عن البعد والفراق.

إنّ قصائد عنترة تعكس صورة المرأة المثالية في تصوره، فهي رمز للجمال والعفة والكمال. هذه الصورة انعكست على لغته الشعرية، فجاءت كلماته رقيقة وعذبة، تعبر عن أسمى معاني الحب والتقدير. وفيما يلي أمثلة من أشعاره التي يصف فيها عبلة:

عندما تهب الريح من ربى العلم

في هذه القصيدة، يصور عنترة حبه لعبلة بأجمل الأوصاف، ويصف تأثيرها العميق عليه وعلى محيطه.[3]

إِذا الريحُ هَبَّت مِن رُبى العَلَمَ السَعدي
طَفا بَردُها حَرَّ الصَبابَةِ وَالوَجدِ
وَذَكَّرَني قَوماً حَفِظتُ عُهودَهُم
فَما عَرِفوا قَدري وَلا حَفِظوا عَهدي
وَلَولا فَتاةٌ في الخِيامِ مُقيمَةٌ
لَما اِختَرتُ قُربَ الدارِ يَوماً عَلى البُعدِ
مُهَفهَفَةٌ وَالسِحرُ مِن لَحَظاتِها
إِذا كَلَّمَت مَيتاً يَقومُ مِنَ اللَحدِ
أَشارَت إِلَيها الشَمسُ عِندَ غُروبِها
تَقولُ إِذا اِسوَدَّ الدُجى فَاِطلِعي بَعدي
وَقالَ لَها البَدرُ المُنيرُ أَلا اِسفِريفَإِنَّكِ مِثلي في الكَمالِ وَفي السَعدِ
فَوَلَّت حَياءً ثُمَّ أَرخَت لِثامَها
وَقَد نَثَرَت مِن خَدِّها رَطِبَ الوَردِ
وَسَلَّت حُساماً مِن سَواجي جُفونِها
كَسَيفِ أَبيها القاطِعِ المُرهَفِ الحَدِّ
تُقاتِلُ عَيناها بِهِ وَهوَ مُغمَدٌ
وَمِن عَجَبٍ أَن يَقطَعَ السيفُ في الغِمدِ
مُرَنَّحَةُ الأَعطافِ مَهضومَةُ الحَشا
مُنَعَّمَةُ الأَطرافِ مائِسَةُ القَدِّ
يَبيتُ فُتاتُ المِسكِ تَحتَ لِثامِها
فَيَزدادُ مِن أَنفاسِها أَرَجُ النَدِّ
وَيَطلَعُ ضَوءُ الصُبحِ تَحتَ جَبينِها
فَيَغشاهُ لَيلٌ مِن دُجى شَعرِها الجَعدِ
وَبَينَ ثَناياها إِذا ما تَبَسَّمَت
مُديرُ مُدامٍ يَمزُجُ الراحَ بِالشَهدِ
شَكا نَحرُها مِن عَقدِها مُتَظَلِّماً
فَواحَرَبا مِن ذَلِكَ النَحرِ وَالعِقدِ
فَهَل تَسمَحُ الأَيّامُ يا اِبنَةَ مالِكٍ
بِوَصلٍ يُداوي القَلبَ مِن أَلَمِ الصَدِّ
سَأَحلُمُ عَن قَومي وَلَو سَفَكوا دَمي
وَأَجرَعُ فيكِ الصَبرَ دونَ المَلا وَحدي
وَحَقِّكِ أَشجاني التَباعُدُ بَعدَكُم
فَهَل أَنتُمُ أَشجاكُمُ البُعدُ مِن بَعدي
حَذِرتُ مِنَ البَينِ المُفَرِّقِ بَينَنا
وَقَد كانَ ظَنّي لا أُفارِقُكُم جَهدِ
فَإِن عايَنَت عَيني المَطايا وَرَكبُها
فَرَشتُ لَدى أَخفافِها صَفحَةَ الخَدِّ

في هذه الأبيات، يظهر تعلق عنترة بعبلة، ويصف جمالها وسحرها الذي يأسر القلوب. كما يعبر عن استعداده للتضحية من أجلها وتحمل الصعاب في سبيل الوصول إليها.

وإذا كان دمعي شاهدي

هنا، يظهر الشاعر مدى الشوق الذي يعتصر قلبه، وكيف يتجدد هذا الشوق في كل يوم، ويؤثر على نومه وحياته.[4]

إِذا كانَ دَمعي شاهِدي كَيفَ أَجحَدُ
وَنارُ اِشتِياقي في الحَشا تَتَوَقَّدُ
وَهَيهاتَ يَخفى ما أُكِنُّ مِنَ الهَوى
وَثَوبُ سِقامي كُلَّ يَومٍ يُجَدَّدُ
أُقاتِلُ أَشواقي بِصَبري تَجَلُّداً
وَقَلبِيَ في قَيدِ الغَرامِ مُقَيَّدُ
إِلى اللَهِ أَشكو جَورَ قَومي وَظُلمَهُم
إِذا لَم أَجِد خِلّاً عَلى البُعدِ يَعضُدُ
خَليلَيَّ أَمسى حُبُّ عَبلَةَ قاتِلي
وَبَأسي شَديدٌ وَالحُسامُ مُهَنَّدُ
حَرامٌ عَلَيَّ النَومُ يا اِبنَةَ مالِكٍ
وَمِن فَرشُهُ جَمرُ الغَضا كَيفَ يَرقُدُ
سَأَندُبُ حَتّى يَعلَمَ الطَيرُ أَنَّني
حَزينٌ وَيَرثي لي الحَمامُ المُغَرِّدُ
وَأَلثِمُ أَرضاً أَنتِ فيها مُقيمَةٌ
لَعَلَّ لَهيبي مِن ثَرى الأَرضِ يَبرُدُ
رَحَلتِ وَقَلبي يا اِبنَةَ العَمِّ تائِهٌ
عَلى أَثَرِ الأَظعانِ لِلرَكبِ يَنشُدُ
لَئِن يَشمَتِ الأَعداءُ يا بِنتَ مالِكٍ
فَإِنَّ وِدادي مِثلَما كانَ يَعهَدُ

في هذه الأبيات، تتجلى معاناة عنترة من الشوق والبعد، ويظهر كيف أن حبه لعبلة قد استحوذ على حياته وأثر فيها بشكل كامل.

لعوب بألباب الرجال

في هذه القصيدة الغزلية، يستخدم عنترة بحر الطويل للتعبير عن جمال عبلة وسحرها الذي يسلب الألباب.[5]

لَعوبُ بِأَلبابِ الرِجالِ كَأَنَّها
إِذا أَسفَرَت بَدرٌ بَدا في المَحاشِدِ
شَكَت سَقَماً كَيما تُعادُ وَما بِها
سِوى فَترَةِ العَينَينِ سُقمٌ لِعائِدِ
مِنَ البيضِ لا تَلقاكَ إِلّا مَصونَةً
وَتَمشي كَغُصنِ البانِ بَينَ الوَلائِدِ
كَأَنَّ الثُرَيّا حَينَ لاحَت عَشِيَّةً
عَلى نَحرِها مَنظومَةٌ في القَلائِدِ
مُنَعَّمَةُ الأَطرافِ خَودٌ كَأَنَّها
هِلالٌ عَلى غُصنٍ مِنَ البانِ مائِدِ
حَوى كُلَّ حُسنٍ في الكَواعِبِ شَخصُها
فَلَيسَ بِها إِلّا عُيوبُ الحَواسِدِ

هنا، يصف عنترة عبلة بأنها فاتنة تأسر القلوب بجمالها وسحرها، وأنها تتميز بالعفة والحياء.

المراجع

  1. رشيدة كلاع (1/12/2016)،”معاينة حضور المراة في شعر عنترة ودلالته النفسية”،مجلة العلوم الانسانية، العدد 46، صفحة 531. بتصرّف.
  2. حافظ عباس و عبد عبيد،”اتجاهات الغزل العذري وسماته الفنية في العصر الاموي”،المجلات الاكاديمية العلمية العراقية، اطّلع عليه بتاريخ 16/2/2022. بتصرّف.
  3. “إِذا الريحُ هَبَّت مِن رُبى العَلَمَ السَعدي”،الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 16/2/2022. بتصرّف.
  4. “إذا كان دمعي شاهدي كيف أجحد”،الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 16/2/2022. بتصرّف.
  5. “لَعوبُ بِأَلبابِ الرِجالِ كَأَنَّها”،الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 16/2/2022. بتصرّف.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

مكانة المرأة خلال الحقبة الفيكتورية

المقال التالي

المرأة و فنّ الغزل في الأدب الأندلسي

مقالات مشابهة