صلاة الاستسقاء: دليل شامل لطقوسها وأحكامها

تعرّف على صلاة الاستسقاء: تعريفها، سببها، حكمها، كيفيتها، وسننها، اقرأ المقال لتعرف أكثر.

صلاة الاستسقاء: دليل شامل لطقوسها وأحكامها

تعريف صلاة الاستسقاء وفهم مفهومها

صلاة الاستسقاء، هي صلاةٌ خاصةٌ يُؤدّيها المسلمون طلباً من الله -تعالى- لإرسال الغيث والمطر عندما تُصيب الأرض الجفاف وتُعاني من قلة الأمطار. وتُعدّ صلاة الاستسقاء دعاءً خاصاً، حيث يُؤدّى بالخشوع والتذلل لله -تعالى- راجين أن يُنزل رحمته على عباده.

يُمكن أن يُعبّر عن الاستسقاء بِأشكال متعدّدة، منها صلاة الاستسقاء نفسها، أو من خلال الدعاء في خطبة الجمعة، أو بالدعاء بعد الصلاة، أو بالدعاء من غير صلاة أو خطبة.

دوافع أداء صلاة الاستسقاء

أداء صلاة الاستسقاء أمرٌ واجب على المسلم عند انحباس المطر عن الأرض، مما يُؤدي إلى قلة المياه اللازمة لسقي الناس والزرع والحيوان. قد يكون انحباس المطر نتيجةٌ لاختبارٍ من الله تعالى، أو بسبب ذنوب الناس، ومن ثمّ يُصبح اللجوء إلى الله تعالى بالصلاة والدعاء أمراً ضرورياً لِحفظ رحمة الله وطلبِ غيثه.

حكم صلاة الاستسقاء: هل هي واجبة أم سنة؟

اتّفق جمهور الفقهاء على أنّ صلاة الاستسقاء هي سنةٌ مؤكّدة، يُستحبّ أداءها عند الحاجة إلى المطر. وذهب أبو حنيفة إلى أنّ الاستسقاء يُكتفى به بالدعاء فقط، دون صلاةٍ، بينما رأت مذاهب أخرى أنّ صلاة الاستسقاء هي من السنن المأكدة، سواءً في الحضر أم السفر.

الوقت المثالي لأداء صلاة الاستسقاء

لا يوجد وقت محدد لأداء صلاة الاستسقاء، إلا أنّ الأفضل أداءها بعد طلوع الشمس بِمقدار رمح، بحسب قول جمهور العلماء. وذهب بعض الفقهاء إلى أنّ وقت صلاة الاستسقاء يُشبه وقت صلاة العيد، أي من طلوع الشمس إلى زوالها، بينما ذهب آخرون إلى أنّ صلاة الاستسقاء مُستحبّة حتى في أوقات النهي.

ولكن، يُفضّل تجنّب أداء صلاة الاستسقاء في أوقات النهي، لتجنّب الخلاف بين الفقهاء، وتُستحبّ أداءها في وقت صلاة العيد في أول النهار، لِتشابههما من حيث الموضع والصّفة والوقت.

الحكمة من تشريع صلاة الاستسقاء

توجد حكمةٌ عظيمةٌ وراء تشريع صلاة الاستسقاء، ومنها ما يأتي:

  • التضرّع إلى الله تعالى بطلب المطر عند انحباسه، وعند جدب الأرض، فاللجوء إلى الله بالصلاة والدعاء يُظهر حاجة العباد إلى رحمته.
  • إظهار العبد لضعفه وافتقاره وتوجّههِ إلى ربّه بإخلاص، مع التذلل والتواضع بين يديه.

كيف تُصلى صلاة الاستسقاء؟

تُؤدى صلاة الاستسقاء ركعتين، يُكبّر المصلّي في الرّكعة الأولى سبع تكبيرات، ثمّ يقرأ الفاتحة وما تيسّر من القرآن جهراً، ثمّ يركع ويسجد، ثمّ يقوم للرّكعة الثانية، ويكون فيها خمس تكبيرات، غير تكبيرة القيام، ويُعيد ما فعل في الرّكعة الأولى من الركوع والسجود، ثمّ يقرأ التشهّد ويُسلّم.

اختلفت آراء الفقهاء حول صلاة الاستسقاء، حيث ذهب جمهورهم من الشافعية والمالكية وبعض الحنفيّة إلى قيام الإمام للخطبة بعد الانتهاء من الصلاة، بينما رأى آخرون استحباب تقديم الخطبة على الصلاة.

وتختلف تفصيل كيفيتها حسب المذاهب:

  • الشافعية: تُصلى كصلاة العيد، ركعتين، في الرّكعة الأولى سبع تكبيرات غير تكبيرة الإحرام، مع فصل بين التكبيرة والتي تليها بقدر قراءة آية مُعتدلة، ويُستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة قاف أو الأعلى، وأمّا الرّكعة الثانية فهي خمس تكبيرات غير تكبيرة القيام، ويقرأ فيها بعد الفاتحة بسورة القمر أو الغاشية، ثمّ يقوم الإمام للخطبة بعد الانتهاء من الصلاة، وتكون خطبتين كالعيد، ولكن من غير تكبير، ويُسنّ قبل البدء بالخطبتين الاستغفار.
  • الحنفيّة: تعدّدت أقوالهم فيها، فمنهم من ذهب إلى أنّها دعاءٌ واستغفار من غير صلاة، وتكون باستقبال الإمام للقبلة، ويدعو وهو قائم مع رفع يديه والناس جُلوس يُؤمّنون على دعائه، وذهب بعضهم إلى أنّها تُصلّى ركعتين.
  • الحنابلة: تُصلى كصلاة العيد، وتكون فيها خطبة واحدة، ويفتتحها الإمام بالتكبير، مع الإكثار من الاستغفار والصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام-، ورفع يديه عند الدعاء، ويقرأ في الصلاة سورة الأعلى وسورة الغاشية.
  • المالكيّة: تُصلى كصلاة العيد، إلا أنّ المصلّي يستغفر بدل التكبيرات، ثمّ تكون الخطبتان بعد الصلاة، مع فعل الإمام للسّنن كاستقبال القبلة، والدعاء، وقلب الرّداء، ويقرأ الإمام في الرّكعة الأولى سورة الأعلى، وفي الثانية بسورة الشمس.

يُتقدّم الإمام للصلاة من غير أذان ولا إقامة، ويخطب بعدها أو قبلها بحسب تعدّد آراء المذاهب، ويقول في بدايتها كما جاء في السنة النبويّة عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنّه كان إذا صعد على المنبر بعد الاستسقاء قال:

(إنَّكم شَكَوتُمْ جدبَ ديارِكُم واستئخارَ المطرِ عن إبَّانِ زمانِهِ عنكُم وقد أمرَكُمُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ أن تدعوهُ ووعدَكُم أن يستجيبَ لَكُم)،[12]

مع الإكثار من الأدعية التي يطلب فيها الغيث والمطر من الله -تعالى-،[13] كدعاء النبي -عليه الصلاة والسلام-:(اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا)،[14][15]

ذهب جمهور الفقهاء غير أبي حنيفة إلى أنّ النّداء لصلاة الاستسقاء يكون بقول: “الصّلاة جامعة”، وأنّها تكون جماعةً في الصحراء مع الجهر فيها بالقراءة.

سنن وآداب صلاة الاستسقاء: أفعالٌ تُقربك من الله

تُضاف إلى صلاة الاستسقاء مجموعة من السنن والآداب، يُستحبّ فعلها ومراعاتها عند أداء الصلاة، لزيادة الخشوع والتقرب من الله -تعالى-:

  • تحويل وقلب الرِّداء: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنّ ذلك يُستحبّ للإمام والمأموم، وهو قول الشافعيّ وأحمد، بينما ذهب أبو حنيفة إلى عدم استحباب ذلك، وجاء عن سعيد بن المسيّب والثوريّ أنّ ذلك مُختصٌّ بالإمام فقط، ويكون تحويل الرّداء بجعل بقلب أيمن الرداء إلى الأيسر والعكس، لِفعل النبي -عليه الصلاة والسلام-:(رَأَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، قالَ: فَحَوَّلَ إلى النَّاسِ ظَهْرَهُ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِما بالقِرَاءَةِ).[17][18]
  • التوبة والصدقة: يُستحبّ من الإمام تذكير الناس وحثّهم على التّوبة والصّدقة قبل خُروجهم إلى الصّلاة، وإعادة المظالم لأصحابها، وصيام ثلاثة أيام قبلها، ثم يكون خُروجهم في اليوم الرّابع لأداء الصلاة، مع خُروجهم بثيابٍ تدلّ على التذلُّل كما ذهب إلى ذلك الجُمهور خلافاً للحنابلة، ويطلبُ منهم إخراج أطفالهم وكِبار السِن والضعفاء، ليكون ذلك أقرب إلى رحمة الله تعالى.
  • رفع الأيدي عند الدعاء: يُستحب رفع الأيدي عند الدّعاء للإمام والمأمومين، لِحديث أنس بن مالك -رضيَ الله عنه-:(كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يَرْفَعُ يَدَيْهِ في شيءٍ مِن دُعَائِهِ إلَّا في الِاسْتِسْقَاءِ، وإنَّه يَرْفَعُ حتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطَيْهِ).[20][15]
  • الخروج بتواضع وتذلّل: يُستحب أن يخرج الناس لصلاة الاستسقاء على هيئة المُتضرّعين والمُتواضعين، مع ابتعادهم عن الزّينة والتجمُّل، لإظهار الفقر التامّ لله -تعالى-، ويُستحب الإكثار من الطّاعات قبل الخروج إلى صلاة الاستسقاء، وطلب الدُّعاء من أهل الصّلاح.

أسئلة شائعة حول صلاة الاستسقاء

  • ما حكم ترك صلاة الاستسقاء؟ صلاة الاستسقاء سنةٌ مؤكّدة وليست واجبةً، فلا يحرم تركها من الفرد، لكنّ الأولى والأفضل أن يحرص على أدائها، لكونها سنة فعلها النبي -عليه الصلاة والسلام-. [12]
  • ما حكم صلاة الاستسقاء للنساء؟ يستحب للنساء الخروج لصلاة الاستسقاء بشرط عدم وضع الزينة، حيث ذكر الفقهاء أنّه يُستحب خروج الرجال والشيوخ والأطفال ومن لا هيئة لها من النساء، ومن لا هيئة لها، أي غير المتزينة.
  • هل ورد ذكر صلاة الاستسقاء في القرآن؟ لم يرد ذكر صلاة الاستسقاء أو أحكامها بشكل صريح في القرآن الكريم، لكن الأحاديث في السنة النبوية ذكرت صلاة الاستسقاء وأنّ النبي أدّاها، كما وردت في القرآن الكريم آيات حول اللجوء إلى الله تعالى واستغفاره والتضرّع إليه طلباً للمطر، ومنها قول الله تعالى:

    (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا). [21]

المراجع

[1] عبد الرحمن الجزيري (2003م)، الفقه على المذاهب الأربعة (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 325، جزء 1. بتصرّف.

[2] مجموعة من المؤلفين (1433هـ)، الموسوعة الفقهية، السعودية: الدرر السنية dorar.net، صفحة 190، جزء 1. بتصرّف.

[3] تثوهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، صفحة 1438-1444. بتصرّف.

[4] مجموعة من المؤلفين (1433هـ)، الموسوعة الفقهية، السعودية: موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net، صفحة 189، جزء 1. بتصرّف.

[5] تثمحمد بن إبراهيم التويجري، مختصر الفقه الإسلامي في ضوء القرآن والسنة، صفحة 551. بتصرّف.

[6] عبد الرحمن الجزيري (2003م)، الفقه على المذاهب الأربعة (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 328، جزء 1. بتصرّف.

[7] وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ، الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الطبعة الرابعة)، دمشق: دار الفكر، صفحة 1442، جزء 2. بتصرّف.

[8] صالح السدلان، رسالة في الفقه الميسر، صفحة 49. بتصرّف.

[9] عبد الرحمن الجزيري (2003م)، الفقه على المذاهب الأربعة (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 325-327، جزء 1. بتصرّف.

[10] سعيد حوى، الأساس في السنة وفقهها، صفحة 1438-1439. بتصرّف.

[11] وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ، الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الطبعة الرابعة)، دمشق: دار الفكر، صفحة 1441، جزء 2. بتصرّف.

[12] رواه أبو داود، في سنن أبي داود، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 1173، حسنه الألباني.

[13] مجموعة من المؤلفين (1433هـ)، الموسوعة الفقهية، السعودية: موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net، صفحة 191-192، جزء 1. بتصرّف.

[14] رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 1013، صحيح.

[15] تثمحمد بن إبراهيم التويجري، موسوعة الفقه الإسلامي، صفحة 682-685. بتصرّف.

[16] محمد نعيم ساعي، موسوعة مسائل الجمهور في الفقه الإسلامي، صفحة 241. بتصرّف.

[17] رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن زيد، الصفحة أو الرقم: 1025، صحيح.

[18] مجموعة من المؤلفين (1433هـ)، الموسوعة الفقهية، السعودية: الدرر السنية dorar.net، صفحة 192، جزء 1. بتصرّف.

[19] عبد الرحمن الجزيري (2003م)، الفقه على المذاهب الأربعة (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 329، جزء 1. بتصرّف.

[20] رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 1031، صحيح.

[21] سورة نوح، آية 10-11.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

سيرة صفية زغلول: رمزٌ للوطنية والتضحية

المقال التالي

بحث عن صلاة الجمعة

مقالات مشابهة

أحفاد النبي صلى الله عليه وسلم

الحسن بن علي رضي الله عنهما، الحسين بن علي رضي الله عنهما، زينب بنت علي رضي الله عنهما، أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما، أمامة بنت أبي العاص رضي الله عنهما، أسماء بنات وأبناء النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأبرز المعلومات عنهم.
إقرأ المزيد

قيام الدولة الأموية وأبرز خلفائها

تُعدّ الدولة الأموية واحدة من أبرز الدول الإسلامية في التاريخ، وقد تركت بصمة واضحة في الحضارة الإسلامية. تعرف على نشأة الدولة الأموية، وأبرز خلفائها، إنجازاتها، وأسباب سقوطها.
إقرأ المزيد