دليلك الشامل لفهم خصوبة الرجل: ما وراء عدد الحيوانات المنوية
تُعد مشكلة تأخر الحمل من التحديات التي تواجه العديد من الأزواج، وغالباً ما يكون السبب الكامن وراء هذه الصعوبات متعلقاً بخصوبة الرجل. وبينما يتجه الكثيرون للتركيز على عدد الحيوانات المنوية، كشفت الأبحاث الحديثة عن عوامل أخرى أكثر أهمية، مثل شكل الخلية المنوية وقدرتها على الحركة، والتي قد تكون المؤشرات الأكثر دقة على قدرة الرجل على الإنجاب. في هذا الدليل المفصل، سنغوص في أعماق هذا الموضوع لنقدم لك فهماً شاملاً لما يجعل الرجل خصباً، وكيف يمكن تحسين هذه العوامل، مع التركيز على أحدث ما توصلت إليه الدراسات العلمية بلغة سهلة ومبسطة.
جدول المحتويات
ما الذي يحدد صحة السائل المنوي؟
تُعرف منظمة الصحة العالمية (WHO) السائل المنوي السليم بأنه الذي يحتوي على ما لا يقل عن 20 مليون خلية منوية في الملليتر الواحد. وهذا ليس كل شيء، فالجودة لا تقل أهمية عن الكمية. فمن بين هذه الملايين، يجب أن يكون نصفها على الأقل متحركاً بشكل سليم، وقادر على الوصول إلى هدفه. ومع ذلك، فإن تعريف ‘السليم’ يتطور باستمرار مع تقدم الأبحاث. ففي الماضي، كان التركيز على نسبة 50% من الحيوانات المنوية ذات الشكل السليم، ثم انخفض هذا الرقم إلى 30%، مما يشير إلى أن المعايير ليست ثابتة وأن هناك حاجة لفهم أعمق للمؤشرات الحقيقية للخصوبة.
أهمية شكل الحيوانات المنوية (المورفولوجيا)
لعل أبرز ما توصلت إليه الأبحاث الحديثة هو أن شكل الخلية المنوية قد يكون المؤشر الأقوى على خصوبة الرجل. تشير دراسة نشرت في مجلة “نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين” إلى أن شكل الحيوانات المنوية هو الإشارة الأفضل على مدى خصوبة الرجل. ولكن ما هو الشكل السليم؟ ببساطة، الخلية المنوية السليمة تتميز برأس بيضاوي منتظم وذنب (ذيل) طويل يشبه السوط، يمكنها من السباحة بكفاءة. هذه البنية التشريحية الدقيقة ضرورية لاختراق البويضة وإخصابها. لقد وجد الباحثون، مثل الدكتور ديفيد جوزيك وفريقه من جامعة روتشستر وسبع جامعات أخرى، أن نسبة الحيوانات المنوية ذات الشكل السليم التي تزيد عن 12% في عينة السائل المنوي تزيد بشكل كبير من احتمالية الخصوبة. هذه النسبة، التي قد تبدو صغيرة، تعتبر كاشفاً موثوقاً به لقدرة الرجل على الإنجاب. فالخلية المنوية ذات الشكل غير السليم، سواء كان رأسها كبيراً جداً، صغيراً، مزدوجاً، أو كان ذنبها قصيراً أو ملتفاً، فإن قدرتها على الحركة والوصول إلى البويضة وتخصيبها تكون محدودة للغاية.
دور حركة الحيوانات المنوية في الخصوبة
لا يقلل البحث العلمي من أهمية حركة الحيوانات المنوية (الموتيليتي). فبعد الشكل، تأتي الحركة كعامل حاسم آخر. يجب أن تكون الحيوانات المنوية قادرة على التحرك بحيوية ونشاط في اتجاه صحيح لتتمكن من رحلتها الصعبة للوصول إلى البويضة. وجدت الدراسة المذكورة أن نسبة الحيوانات المنوية ذات القدرة على الحركة السليمة التي تزيد عن 63% في عينة السائل المنوي ترتبط بفرص أعلى للخصوبة. الحركة السليمة تعني أن الحيوان المنوي يسبح للأمام بطريقة خطية وسريعة، وليس بحركات دائرية أو اهتزازية غير فعالة. عندما تكون نسبة الحيوانات المنوية المتحركة سليمة أقل من 32%، فإن فرص الحمل تنخفض بشكل ملحوظ، حتى لو كان العدد الإجمالي كبيراً.
عدد الحيوانات المنوية: هل هو المقياس الوحيد؟
بينما يظل عدد الحيوانات المنوية (Sperm Count) عاملاً مهماً، إلا أنه ليس المقياس الوحيد أو الأكثر دقة لخصوبة الرجل. توصي منظمة الصحة العالمية بوجود 20 مليون خلية منوية على الأقل في الملليتر. ومع ذلك، تظهر الأبحاث أن الرجل قد يكون خصباً حتى لو كان عدده أقل من هذا الرقم، طالما أن نسبة كبيرة منها تتمتع بشكل سليم وقدرة عالية على الحركة. على الجانب الآخر، قد يمتلك رجل عدداً هائلاً من الحيوانات المنوية، ولكن إذا كانت معظمها مشوهة الشكل أو ضعيفة الحركة، فإن فرص حدوث الحمل قد تكون ضئيلة. تشير الأرقام إلى أن الرجل قد لا يكون خصباً عندما يكون عدد الحيوانات المنوية أقل من 13.5 مليون في الملليتر، مع نسبة حركة سليمة أقل من 32% وشكل غير سليم. هذا يوضح أن التركيز على مؤشرات الجودة (الشكل والحركة) إلى جانب الكمية يعطي صورة أكثر اكتمالاً لخصوبة الرجل.
عوامل أخرى تؤثر على خصوبة الرجل
لا تقتصر خصوبة الرجل على المؤشرات التي تظهر في تحليل السائل المنوي فحسب، بل تتأثر بالعديد من العوامل الأخرى التي تشمل:
- العمر: مع تقدم الرجل في العمر، قد تتأثر جودة الحيوانات المنوية، وإن كان هذا التأثير أقل وضوحاً مقارنة بالمرأة.
- نمط الحياة: التدخين، تعاطي الكحول، السمنة، والتعرض للسموم البيئية يمكن أن يؤثر سلباً على إنتاج الحيوانات المنوية وجودتها.
- الحالة الصحية العامة: الأمراض المزمنة مثل السكري، مشاكل الغدة الدرقية، بعض الأمراض المنقولة جنسياً، والالتهابات يمكن أن تؤثر على الخصوبة.
- الأدوية والعلاج: بعض الأدوية، مثل تلك المستخدمة لعلاج ارتفاع ضغط الدم أو الاكتئاب، والعلاج الكيميائي، قد تؤثر على إنتاج الحيوانات المنوية.
- الحرارة: ارتفاع درجة حرارة الخصيتين، سواء بسبب الملابس الضيقة، الحمامات الساخنة المتكررة، أو العمل في بيئات حارة، يمكن أن يؤثر على إنتاج الحيوانات المنوية.
- التوتر النفسي: الإجهاد المزمن يمكن أن يؤثر على الهرمونات المسؤولة عن إنتاج الحيوانات المنوية.
نصائح عملية لتحسين خصوبة الرجل
لحسن الحظ، هناك العديد من الخطوات التي يمكن للرجل اتخاذها لتحسين خصوبته وزيادة فرص الإنجاب. تتطلب هذه الرحلة صبراً والتزاماً، ولكن النتائج قد تكون مجزية:
- تبني نمط حياة صحي: تناول نظام غذائي متوازن غني بالفواكه والخضروات والحبوب الكاملة، والحفاظ على وزن صحي، وممارسة الرياضة بانتظام.
- الإقلاع عن التدخين وتجنب الكحول: هذه العادات يمكن أن تضر بشدة بجودة الحيوانات المنوية.
- تجنب الحرارة الزائدة: ارتداء ملابس فضفاضة، وتجنب الحمامات الساخنة المطولة، والحد من استخدام الساونا.
- إدارة التوتر: ممارسة تقنيات الاسترخاء مثل التأمل أو اليوجا، والحصول على قسط كافٍ من النوم.
- تجنب التعرض للسموم: التقليل من التعرض للمبيدات الحشرية، المعادن الثقيلة، والمواد الكيميائية الصناعية.
- استشارة الطبيب: في حال وجود مشاكل في الخصوبة، من الضروري استشارة طبيب متخصص لإجراء الفحوصات اللازمة وتحديد الأسباب ووضع خطة علاج مناسبة. قد يشمل العلاج تغييرات في نمط الحياة، أو الأدوية، أو تقنيات المساعدة على الإنجاب.
من المهم أن نتذكر أن مفهوم الخصوبة ليس مطلقاً، فالعديد من الرجال الذين يعانون من بعض التحديات في الخصوبة يتمكنون من الإنجاب، بينما قد يواجه آخرون صعوبات رغم امتلاكهم مؤشرات تبدو سليمة. إن فهم العوامل المختلفة التي تساهم في خصوبة الرجل، والعمل على تحسينها، هو المفتاح لزيادة فرص تحقيق حلم الأبوة.
المراجع
- Mayo Clinic Staff. (2023). Male infertility. Mayo Clinic. Retrieved from https://www.mayoclinic.org/diseases-conditions/male-infertility/diagnosis-treatment/drc-20374780
- National Institute of Child Health and Human Development. (n.d.). Infertility & Men. National Institutes of Health. Retrieved from https://www.nichd.nih.gov/health/topics/infertility/condition/men








