يواجه سرطان الثدي تحدياً صحياً كبيراً في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يتصدر قائمة السرطانات الأكثر انتشاراً وفتكاً بين النساء. هذه الحقيقة المترسخة تستدعي منا وقفة تأمل، لفهم الأسباب الكامنة وراء هذه الإحصائيات المقلقة، وكيف يمكن للمجتمع والأفراد العمل معاً لتعزيز الوقاية والكشف المبكر.
في هذا المقال، نتعمق في الأرقام والتحديات، ونقدم لك معلومات حيوية حول أهمية الفحص الدوري، ودور نمط الحياة الصحي، بالإضافة إلى تسليط الضوء على سبل الوقاية من سرطانات أخرى مثل سرطان عنق الرحم.
جدول المحتويات
- حقائق مقلقة: سرطان الثدي هو الأول بين النساء في الإمارات
- لماذا يتصدر سرطان الثدي؟ تحديات التوعية والفحص
- الوقاية من سرطان عنق الرحم: دور لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV)
- حماية صحتك: خطوات نحو مستقبل خالٍ من السرطان
حقائق مقلقة: سرطان الثدي هو الأول بين النساء في الإمارات
تؤكد النتائج الصادرة عن وكالة أبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية أن سرطان الثدي هو الأول بين النساء في الإمارات من حيث الانتشار والفتك. هذه الإحصائية تسلط الضوء على ضرورة تكثيف الجهود الوقائية والتوعوية لضمان صحة المرأة في الدولة.
معدلات الإصابة والوفيات: مقارنة عالمية ومحلية
قد تبدو هذه المعلومة بديهية للبعض، فسرطان الثدي يحتل بالفعل الصدارة في قائمة السرطانات المنتشرة بين نساء الإمارات والأكثرها فتكًا. تشير البيانات إلى أن أكثر أنواع السرطانات انتشارًا بين النساء في دولة الإمارات هو سرطان الثدي.
من المثير للاهتمام أن نسبة الإصابة بالسرطان بشكل عام في الإمارات تُعتبر أقل من المعدل العالمي الإجمالي، خاصة عند مقارنتها بالدول الغربية. ومع ذلك، تتشابه نسبة الإصابة بسرطان الثدي لدى النساء في الإمارات مع النسبة العالمية، حيث تُسجل حوالي 40 حالة لكل 100,000 امرأة، وتتشابه نسبة الوفيات أيضًا مع المعدلات العالمية.
السرطانات الأخرى المنتشرة: نظرة سريعة
بعد سرطان الثدي، يأتي سرطان عنق الرحم ثم سرطان القولون والمستقيم في قائمة السرطانات الأكثر انتشارًا بين نساء الإمارات. عالمياً، يحتل سرطان القولون والمستقيم المرتبة الثانية وسرطان عنق الرحم المرتبة الثالثة.
بينما يحتل سرطان الرئة المرتبة الرابعة عالمياً بين النساء، فإنه في الإمارات يأتي في المرتبة الثامنة. بدلاً منه، يحتل سرطان المبيض المرتبة الرابعة في الإمارات، وهو مؤشر يستدعي القلق. يمكن إرجاع تأخر نسبة انتشار سرطان الرئة بين النساء في الدولة إلى انخفاض معدلات تدخين السجائر لديهن.
لماذا يتصدر سرطان الثدي؟ تحديات التوعية والفحص
نلاحظ من هذه الأرقام تزايد الإصابة بسرطان الثدي، على الرغم من التقدم الطبي الكبير في الإمارات، والجهود المبذولة في مجال التوعية الصحية والوقاية. يبدو أن هناك فجوة بين توفر المعلومات والتطبيق العملي.
ثقافة الفحص المبكر: دعوة للعمل
للأسف، لا تقوم العديد من النساء في الإمارات، بمختلف أعمارهن وخاصة الشابات منهن، بإجراء فحوصات الكشف عن أورام الثدي بانتظام. تشمل هذه الفحوصات التحسس الذاتي وفحص التصوير الإشعاعي للثدي (الماموجرام)، أو الفحوصات الدورية العامة. هذا الإهمال في الكشف المبكر يزيد من خطورة المرض وصعوبة علاجه لاحقاً.
كما نلحظ ازدياد نسبة الإصابات بسرطان عنق الرحم، والذي يمكن تفاديه بشكل كبير عبر تلقي لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV). كذلك، تعزو الإحصائيات ارتفاع حالات سرطان القولون والمستقيم إلى عدم إقدام النساء والرجال على حد سواء، وخاصة كبار السن، على إجراء فحوصات الكشف الدورية لتشخيصه مبكراً، رغم حملات التوعية المستمرة.
تأثير نمط الحياة على خطر السرطان
هناك ارتباط وثيق بين انتشار مخاطر السرطان ونمط الحياة غير السليم عموماً، والذي ينتشر في دولة الإمارات بشكل خاص. عوامل مثل عدم ممارسة النشاط البدني الكافي، انتشار التدخين (وخاصة تدخين الأرجيلة)، الإفراط في تناول اللحوم المصنعة، الدهون الضارة، والزيوت الصناعية، بالإضافة إلى افتقار النظام الغذائي للخضروات والفواكه ومصادر مضادات الأكسدة، كلها تساهم في تكوين الجذور الحرة التي قد تؤدي إلى الخلايا السرطانية.
الوقاية من سرطان عنق الرحم: دور لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV)
نظرًا لأهميته واحتلاله المرتبة الثانية بين السرطانات النسائية في الإمارات، يجب التركيز على سرطان عنق الرحم وسبل الوقاية منه. تعتبر حملات التوعية ضرورية لحث الفتيات والنساء بين أعمار 9 و 25 عامًا على تلقي التطعيم ضد فيروسات الورم الحليمي البشري.
فهم فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) ومخاطره
قد تكون هذه الفيروسات غير ضارة ويتغلب عليها الجهاز المناعي في كثير من الأحيان، لكنها في بعض الحالات قد تؤدي إلى نشوء الأورام الحميدة، مثل الثآليل التناسلية (الورم اللقمي). الأهم من ذلك، أن بعض أنواع هذا الفيروس، والتي تُعد مسرطنة، قد تسبب تغيرات خبيثة تزيد من احتمالات الإصابة بسرطان عنق الرحم، الشرج، والقضيب.
تستمر المرحلة الانتقالية من حالة ما قبل السرطان إلى حالة الإصابة بالسرطان لعدة سنوات. في بعض الحالات النادرة، قد تكون هذه الفترة قصيرة جدًا، ويظهر السرطان بعد سنة واحدة من العدوى. لذا، يُولى الكشف المبكر أهمية بالغة في مرحلة ما قبل ظهور السرطان، مثل فحص لطاخة عنق الرحم (Pap smear) الذي يساهم في تشخيص التغيرات وظهور خلايا غير سليمة في عنق الرحم.
لقاحات HPV المتاحة: حماية فعالة
يتوفر نوعان رئيسيان من اللقاحات التي يمكن أن تساعد على منع تطور أورام حليمية خبيثة:
- غارداسيل (Gardasil): يوفر هذا اللقاح حماية من أربعة أصناف من فيروس الورم الحليمي البشري: الصنفان (HPV 16, HPV 18) اللذان يُعدان مسؤولين عن حدوث 70% من حالات سرطان عنق الرحم والأورام ما قبل السرطانية في الشرج والمهبل. بالإضافة إلى صنفين آخرين (HPV 6, HPV 11) المسؤولين عن الإصابة بـ 90% من حالات الأورام ما قبل السرطانية والثآليل التناسلية.
- سيرفاريكس (Cervarix): يقي هذا اللقاح من الإصابة بنوعين من الفيروس (HPV 16, HPV 18)، وهما المسؤولان عن معظم حالات سرطان عنق الرحم والأورام ما قبل السرطانية في الشرج والمهبل. كما يوفر سيرفاريكس حماية معينة من الإصابة بالعدوى بأصناف أخرى من الفيروس الحليمي البشري (HPV 31, HPV 45, HPV 52) المسؤولة، مجتمعة، عن 12% من حالات سرطان عنق الرحم.
تجدر الإشارة إلى أنه في دولة الإمارات العربية المتحدة، لا يوجد إلزام بتلقي هذه اللقاحات لا للنساء ولا للرجال.
أهمية الكشف المبكر عن سرطان عنق الرحم
الكشف المبكر عن سرطان عنق الرحم يمكن أن ينقذ الأرواح. فحص لطاخة عنق الرحم (Pap Smear) يُعد أداة فعالة لتشخيص أي تغيرات غير طبيعية في خلايا عنق الرحم قبل تحولها إلى خلايا سرطانية. يجب على النساء الالتزام بالفحوصات الدورية حسب توصيات الأطباء.
حماية صحتك: خطوات نحو مستقبل خالٍ من السرطان
إن مواجهة سرطان الثدي وغيره من أنواع السرطان في الإمارات تتطلب جهداً جماعياً. على الصعيد الفردي، اتخاذ خطوات استباقية مثل الفحوصات الدورية، وتعديل نمط الحياة ليكون أكثر صحة، وتلقي اللقاحات المتاحة، يُعد استثماراً حقيقياً في المستقبل.
لنتذكر دائماً أن المعرفة قوة، وأن الكشف المبكر هو مفتاح الشفاء. دعونا نعمل معاً لخلق مجتمع أكثر وعياً وصحة في الإمارات، حيث يمكن لكل امرأة أن تعيش حياة مليئة بالصحة والعافية.








