تمهيد
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
التوصية بتقوى الله
أيها المسلمون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي خير زاد ليوم المعاد. اتقوا الله في السر والعلن، واعلموا أن الله مطلع على سرائركم وأعمالكم. واستمسكوا بدينكم، واعملوا صالحاً، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. تذكروا قول الله تعالى:
(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).[البقرة: 281]
غزوة بدر الكبرى: الانتصار الأول
أيها الأخوة الكرام، إن شهر رمضان يحمل في طياته ذكريات انتصارات عظيمة للمسلمين. ومن أبرز هذه الانتصارات، معركة بدر الكبرى، التي وقعت في السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة. كانت هذه المعركة نقطة تحول في تاريخ الإسلام، حيث نصر الله فيها المؤمنين على المشركين نصراً عظيماً.
خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع ثلة من أصحابه، لا يتجاوز عددهم الثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً، لاعتراض قافلة لقريش يقودها أبو سفيان، تعويضاً عن ما فقده المسلمون من أموالهم في مكة. لكن الله أراد شيئاً آخر، أراد أن يعز دينه وينصر عباده المؤمنين.
علمت قريش بخروج المسلمين، فخرجت بجيش قوامه ألف مقاتل، مدججين بالسلاح، لمواجهة المسلمين. ورغم قلة عدد المسلمين وضعف عتادهم، إلا أنهم كانوا مؤمنين بنصر الله، واثقين بوعده. وبتوفيق من الله، تحقق النصر للمسلمين، وقتل صناديد قريش، وأسر منهم الكثير. لقد كان هذا النصر بداية عهد جديد للإسلام والمسلمين.
فتح مكة: ذروة الانتصارات
ومن الانتصارات الخالدة في تاريخ الإسلام، فتح مكة المكرمة في العشرين من رمضان في السنة الثامنة للهجرة. بعد سنوات من المعاناة والاضطهاد، وبعد أن أخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة مكرهين، أذن الله لهم بالعودة إليها فاتحين ومنتصرين.
جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً قوامه عشرة آلاف مقاتل، وتوجه به إلى مكة. ولما رأت قريش قوة المسلمين، استسلمت ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة دون قتال فعلي. لقد كان هذا الفتح نصراً عظيماً للإسلام، ودخولاً للناس في دين الله أفواجاً.
وعندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة، قام بتطهير الكعبة من الأصنام، وأزال كل مظاهر الشرك، وأعلن العفو العام عن أهل مكة، تجسيداً لرحمة الإسلام وسماحته.
عين جالوت: حماية الأمة من الفناء
ومن الانتصارات الحاسمة في تاريخ المسلمين، معركة عين جالوت، التي قادها سيف الدين قطز رحمه الله، ضد التتار في العشر الأواخر من رمضان. وقعت هذه المعركة على أرض فلسطين، وكانت بمثابة نقطة تحول في مسار التاريخ.
كان التتار قد اجتاحوا العالم الإسلامي، ودمروا مدنه، وقتلوا أهله، ووصلوا إلى مشارف مصر. وأرسلوا إلى أمراء مصر يطلبون منهم الاستسلام، ولكن قطز رفض الاستسلام، وقرر مواجهة التتار.
جمع قطز جيشاً من المسلمين، وحضهم على الجهاد، وتقدم لملاقاة التتار في عين جالوت. ودارت معركة شرسة، ثبت فيها المسلمون، وقاتلوا ببسالة، حتى نصرهم الله على عدوهم، وألحقوا بالتتار هزيمة ساحقة. لقد أنقذت معركة عين جالوت الأمة الإسلامية من الفناء، وأوقفت زحف التتار.
خلاصة القول
أيها الأحبة، إن شهر رمضان هو شهر الانتصارات، شهر الفتوحات العظيمة. لقد سطر المسلمون في هذا الشهر المبارك أمجاداً عظيمة، وانتصارات خالدة. ولكن هذه الانتصارات لم تتحقق إلا بالإعداد الإيماني والروحي، والتوكل على الله، والأخذ بالأسباب المادية المتاحة.
في هذا العصر الذي يعيش فيه المسلمون تحديات كبيرة، وظروفاً صعبة، يجب علينا أن نستلهم من هذه الانتصارات دروساً وعبر، وأن نعمل على إصلاح أنفسنا، وتقوية إيماننا، والعودة إلى ديننا القويم، حتى نتمكن من تحقيق النصر والعزة والتمكين.
الدعاء
اللهم لك الحمد كله، ولك الشكر كله، وإليك يرجع الأمر كله، علانيته وسره. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأعل كلمتك إلى يوم الدين. اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين.
اللهم اهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور. اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين، ومن جندك المخلصين، ومن أوليائك المقربين.
اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا ودعائنا، واجعلنا من عتقائك من النار.
المراجع
- القرآن الكريم
-
محمد الغزالي (1427)، فقه السيرة (الطبعة 1)، دمشق: دار القلم، صفحة 226-239. بتصرّف.
-
راغب السرجاني، التتار من البداية إلى عين جالوت، صفحة 1-22، جزء 10. بتصرّف.
