تبدأ رحلة الأبوة والأمومة غالبًا بحلم، ولدى العديد من الأزواج، يمثل الحقن المجهري (ICSI) بصيص أمل لتحقيق هذا الحلم. إنه إجراء طبي معقد ولكنه مذهل، يتيح للخبراء مساعدة الحيوانات المنوية على إخصاب البويضة خارج الجسم. ولكن ماذا يحدث بعد ذلك؟ كيف تنمو هذه البويضة المخصبة لتصبح جنينًا؟
في هذا المقال، نأخذك في جولة مفصلة عبر مراحل انقسام البويضة في الحقن المجهري، من اللحظات الأولى بعد الإخصاب وصولًا إلى المرحلة التي يكون فيها الجنين جاهزًا للانتقال إلى الرحم. سنتعرف على التغيرات الخلوية الدقيقة التي تحدث، وأبرز المعلومات حول كل مرحلة.
جدول المحتويات:
- ما هو الحقن المجهري ولماذا يلجأ إليه البعض؟
- مراحل انقسام البويضة بعد الحقن المجهري: خطوة بخطوة
- الحقن المجهري وتأثيره على نمو الجنين: ما الذي يجب معرفته؟
- حقائق مهمة حول الحقن المجهري
ما هو الحقن المجهري ولماذا يلجأ إليه البعض؟
الحقن المجهري، المعروف علميًا باسم Intracytoplasmic Sperm Injection (ICSI)، هو إجراء متقدم للمساعدة على الإنجاب. خلال هذا الإجراء، يحقن أخصائي الأجنة حيوانًا منويًا واحدًا مباشرة داخل بويضة واحدة في بيئة مخبرية مراقبة.
يلجأ الأطباء إلى الحقن المجهري في حالات مختلفة، أبرزها عندما يواجه الحيوان المنوي صعوبة في اختراق الطبقة الخارجية للبويضة بسبب سمكها، أو في حال وجود عدد قليل من الحيوانات المنوية السليمة، أو بسبب مشكلات أخرى تتعلق بالخصوبة. عادةً ما يتم هذا الإجراء كجزء من عملية الإخصاب خارج الجسم (IVF).
مراحل انقسام البويضة بعد الحقن المجهري: خطوة بخطوة
بعد نجاح عملية حقن الحيوان المنوي داخل البويضة، تبدأ سلسلة من الانقسامات الخلوية المذهلة. هذه المراحل تشابه إلى حد كبير الانقسامات التي تحدث في الحمل الطبيعي، وهي ضرورية لتكوين الجنين.
المرحلة الأولى: من خليتين إلى أربع خلايا
تُعد هذه المرحلة بداية الانقسامات الخلوية. إليك أبرز ما يميزها:
- يحدث الانقسام الأول لإنتاج خليتين، يليه الانقسام الثاني الذي يؤدي إلى تكوين أربع خلايا.
- تستغرق هذه المرحلة عادةً ما بين 35 إلى 45 ساعة بعد عملية التلقيح، أي في اليوم الثاني من الإجراء.
- تعتمد هذه الانقسامات الأولية على البروتينات التي تصنعها جينات الأم داخل البويضة.
- يمكن لأخصائيي الأجنة مراقبة حجم وشكل الخلايا بسهولة تحت المجهر لتقييم جودتها.
المرحلة الثانية: من أربع خلايا إلى ثماني خلايا
مع استمرار الانقسام، تتطور البويضة المخصبة إلى مرحلة أكثر تقدمًا. إليك تفاصيل هذه المرحلة:
- يحدث الانقسام الثالث الذي ينتج عنه ثماني خلايا.
- يبلغ متوسط الوقت لهذه المرحلة حوالي 54 ساعة بعد التلقيح، مما يعني أنها تحدث في اليوم الثالث.
- في هذه المرحلة الحيوية، تبدأ جينات الجنين نفسها في تفعيل عملها لإنتاج البروتينات اللازمة لمزيد من النمو والتطور.
المرحلة التوتية: تكوين "التوتة"
تتميز هذه المرحلة بتجمع الخلايا وتغير شكلها، وتُعرف باسم (Morula) بسبب شكلها الذي يشبه حبة التوت الصغيرة.
- يصل عدد الخلايا في هذه المرحلة إلى ما بين 16 و32 خلية.
- تتجمع الخلايا وتلتصق بإحكام لتشكل كتلة كروية شبيهة بالتوتة.
- تحدث هذه المرحلة عادةً في اليوم الرابع بعد عملية التلقيح.
- تتكون في هذه المرحلة خلايا الأرومة المغذية (Trophoblast cells) من الخلايا الخارجية، بينما تتشكل الكتلة الخلوية الداخلية التي ستكوّن الجنين من الخلايا الداخلية.
المرحلة الكيسية (البلاستوسيست): اللحظة المحورية
تعتبر هذه المرحلة الأخيرة والأكثر تطورًا قبل نقل الجنين إلى الرحم، وهي تُعرف باسم (Blastocyst).
- تحدث هذه المرحلة الحاسمة في اليوم الخامس أو السادس من التلقيح.
- تتمايز الخلايا الأرومية وتفرز سائلًا لتكوين تجويف يعرف بالتجويف الأرومي (Blastocoel).
- تتشكل الكتلة الخلوية الداخلية للجنين بوضوح وتتمايز عن خلايا الأرومة المغذية، والتي تُعد ضرورية لعملية الانغراس في بطانة الرحم.
- في هذه المرحلة، يمكن نقل 2 إلى 3 أجنة إلى رحم الأم، حيث ينغرس الجنين في بطانة الرحم. أحيانًا يمكن نقل الأجنة في وقت أبكر، في اليوم الثاني (مرحلة 2-4 خلايا) أو اليوم الثالث (مرحلة 4-8 خلايا)، وذلك حسب تقييم الطبيب وحالة الجنين.
- تستمر الانقسامات السريعة للخلايا الجنينية داخل الرحم بعد الانغراس.
الحقن المجهري وتأثيره على نمو الجنين: ما الذي يجب معرفته؟
يهتم الكثيرون بمعرفة ما إذا كان الحقن المجهري يؤثر على نمو الجنين أو يزيد من مخاطر معينة. من المهم فهم الحقائق المدعومة علميًا في هذا الشأن.
هل يزيد الحقن المجهري من خطر العيوب الخلقية؟
في حالات الحمل الطبيعي، تتراوح فرصة إصابة الطفل بعيب خلقي بين 1.5% و3%. في حالات الحقن المجهري، تكون هذه الفرصة أعلى قليلًا، وتساوي تقريبًا فرص الحمل عبر الإخصاب في المختبر (IVF).
يُعزى هذا الارتفاع الطفيف في النسبة غالبًا إلى عوامل العقم الكامنة لدى الوالدين، وليس بسبب الأدوية المستخدمة في العلاج أو الإجراء بحد ذاته. بمعنى آخر، الأسباب التي دفعت الزوجين للجوء إلى الحقن المجهري قد تكون هي نفسها التي تزيد من هذه المخاطر بشكل هامشي.
عيوب خلقية نادرة قد ترتبط بالحقن المجهري
هناك بعض الحالات النادرة جدًا من العيوب التي قد ترتبط بتقنيات المساعدة على الإنجاب، ويُعتقد أنها تحدث لدى أقل من 1% من الأطفال الذين يولدون بهذه التقنيات. تشمل هذه العيوب:
- متلازمة بكوث ودمان (Beckwith-Wiedemann syndrome).
- متلازمة أنجلمان (Angelman syndrome).
- الإحليل التحتي (Hypospadias).
- تشوهات الكروموسومات الجينية.
- التوحد.
- الإعاقات الذهنية.
من الضروري التأكيد على أن هذه الحالات نادرة، والأغلبية العظمى من الأطفال المولودين عن طريق الحقن المجهري يتمتعون بصحة جيدة.
حقائق مهمة حول الحقن المجهري
إلى جانب مراحل النمو الجنيني والمخاطر المحتملة، هناك حقائق أخرى مثيرة للاهتمام حول الحقن المجهري.
الحقن المجهري وفرص الحمل بتوأم
لزيادة فرصة الحمل بتوأم، يمكن للأطباء تخصيب بويضات متعددة ونقل أكثر من جنين واحد إلى رحم الأم. هذه الممارسة شائعة في الحقن المجهري وعلاجات الإخصاب الأخرى لتعزيز فرص الحمل الكلية.
إمكانية تحديد جنس الجنين عبر الحقن المجهري
نعم، يمكن تحديد جنس الجنين في حالات الحقن المجهري من خلال إجراء يسمى الاختبار الجيني قبل الزرع (Preimplantation Genetic Testing – PGT). يتم هذا الاختبار بأخذ عينة صغيرة من خلايا الجنين في مرحلة معينة، وتحليلها لتحديد جنسه، بالإضافة إلى الكشف عن أي اضطرابات وراثية محتملة قبل زرع الجنين في الرحم.
الخاتمة:
تُظهر مراحل انقسام البويضة في الحقن المجهري مدى تعقيد وجمال الحياة في بدايتها. من خلية واحدة مخصبة إلى جنين جاهز للانغراس، تُعد هذه الرحلة شهادة على التقدم العلمي في مساعدة الأزواج على تحقيق حلمهم في الأبوة والأمومة. فهم هذه المراحل يمنحنا تقديرًا أعمق للمعجزات البيولوجية التي تحدث داخل المختبر وفي أرحام الأمهات.








