رؤية الشريعة في حلق الشعر عند المصائب

مقدمة

دأبت الكثير من النساء على مر العصور، وعند وقوع المصائب أو الشدائد، مثل فقدان عزيز من الأهل أو الأقارب، على إظهار ردود فعل قوية. قد تفقد المرأة السيطرة على نفسها، وتبدي سلوكيات غير متزنة، كالصراخ، والنواح، وتمزيق الثياب، أو حتى حلق شعرها تعبيراً عن الحزن. فما هو الحكم الشرعي في ذلك؟

بيان الحكم الشرعي في قص الشعر

يعتبر حلق الشعر عند المصائب من عادات الجاهلية التي نهى عنها الإسلام. وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: (فإنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ، والْحالِقَةِ، والشَّاقَّةِ).

وقد تبرأ النبي -صلى الله عليه وسلم- من اللاتي يقمن بحلق شعرهن عند المصائب، مؤكداً أن هذا الفعل لا يتناسب مع قيم الإسلام وتعاليمه السمحة. فمثل هذا الفعل يعكس عدم الرضا بقضاء الله وقدره، وقلة الصبر والتسخط على ما قدره الله لعبده.

موقف المؤمن عند الابتلاء والحزن

ينبغي على المؤمن، رجلاً كان أو امرأة، أن يتقي الله -تعالى- وأن يتحلى بالصبر والرضا عند نزول المصائب. وعليه أن يقول: “إنا لله وإنا إليه راجعون”، امتثالاً لقوله تعالى في وصف عباده المؤمنين: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).

كما أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- المؤمن بالدعاء عند نزول المصيبة قائلاً: “اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها”. وقد ضمن النبي -صلى الله عليه وسلّم- لمن يدعو بهذا الدعاء بيقين وتوكل على الله، الأجر والثواب، وأن الله -تعالى- سيعوضه خيراً مما فقده.

كما حذر النبي الكريم -صلّى الله عليه وسلم- من لطم الخدود، وتمزيق الثياب، والتلفظ بأقوال الجاهلية من سباب وشتائم، معتبراً ذلك مخالفاً لمنهج النبوة.

اجتناب النياحة المنهي عنها وقص الشعر

نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابيات الجليلات ونساء المؤمنين عن النوح عند المصائب والأحزان، ويشمل ذلك حلق الشعر أو قصه، ورفع الصوت بالعويل والنحيب، وتمزيق الثياب، ونقض ضفائر الشعر، والتلفظ بالألفاظ القبيحة التي لا تليق بالمسلمين.

قد يتساءل البعض عن سبب تخصيص المرأة بالنهي دون الرجل؟ والسبب في ذلك يرجع إلى طبيعة المرأة العاطفية التي تفوق عاطفة الرجل، مما يجعلها أكثر عرضة للانفعال. والمرأة المسلمة ينبغي أن تلتزم بتعاليم الإسلام، وأن تتحلى بالرضا والاحتساب والرزانة والاتزان والوقار في الحزن، وأن تكون دائمة الشكر والحمد والثناء في الفرح والسرور، وفي كل أحوالها.

الصبر والاحتساب عند المصائب يعتبر من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المسلم. فالمؤمن الحق يعلم أن الدنيا دار ابتلاء وأن الصبر على البلاء هو مفتاح الفرج والنجاة. إن الجزع والتسخط لا يغيران من الأمر شيئاً، بل يزيدان المصيبة مصيبة.

الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان، وعلى المسلم أن يؤمن بأن كل ما يحدث له هو بقدر الله وعلمه، وأن الله لا يقدر لعبده إلا الخير. حتى المصائب والابتلاءات تحمل في طياتها الخير الكثير، فهي إما أن تكون تكفيراً للذنوب، أو رفعاً للدرجات، أو اختباراً لصبر المؤمن وثباته.

يجب على المسلم أن يتذكر دائماً أن الحياة الدنيا فانية وأن الآخرة هي دار البقاء. فالمصائب والأحزان مهما عظمت فهي زائلة، وأن الفرج والنصر قريبان. فبالصبر والدعاء والتوكل على الله، يستطيع المسلم أن يتجاوز أي محنة وأن يحقق السعادة والنجاح في الدنيا والآخرة.

المصادر

المصدر معلومات
صحيح مسلم رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن ابو موسى الأشعري، الصفحة أو الرقم:104، صحيح.
مجلة البحوث الإسلامية مجموعة من المؤلفين،كتاب مجلة البحوث الإسلامية، صفحة 53. بتصرّف.
سورة البقرة سورة البقرة، آية:156 -157
فتاوى نور على الدرب لابن باز ابن باز،كتاب فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر، صفحة 395. بتصرّف.
تفسير القرآن الكريم محمد إسماعيل المقدم،كتاب تفسير القرآن الكريم، صفحة 4. بتصرّف.
Exit mobile version