جدول المحتويات
المنظور الشرعي للسحر
يتناول هذا المقال نظرة الإسلام إلى السحر، حيث يعتبر من المسائل الخطيرة التي تهدد عقيدة المسلم. يوضح هذا التحليل الحكم الشرعي للسحر بنوعيه، الحقيقي والوهمي، مع تقديم الأدلة من القرآن والسنة النبوية.
الأدلة الشرعية على تحريم السحر
أجمع جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية على أن السحر، سواء كان حقيقياً أو تخييلياً، يعتبر من أفعال الكفر الصريحة. وقد استدلوا على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة.
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. هذه الآية تشير بوضوح إلى أن تعلم السحر ينطوي على خطر الكفر، حيث يُشترط على المتعلم أن يعترف بأن السحر فتنة.
كما ورد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿من اقتبس شعبةً من النجومِ فقد اقتبس شعبةً من السحرِ﴾. وهذا الحديث يدل على أن الاشتغال بعلوم النجوم بهدف التكهن أو التأثير على الأحداث هو نوع من السحر المحرم.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ﴿اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وَما هُنَّ؟ قالَ: الشِّرْكُ باللَّهِ، وَالسِّحْرُ﴾. هذا الحديث يبين أن السحر من الكبائر المهلكة التي يجب على المسلم تجنبها.
أما بالنسبة للشافعية، فقد تعددت آراؤهم في حكم السحر، حيث يرون أن السحر قد يكون كفراً أو معصية كبيرة. فمن يمارس السحر الحقيقي بالاستعانة بالشياطين والتقرب إليهم، فإنه يرتكب كفراً.
حكم السحر التخييلي
أما من يمارس السحر التخييلي عن طريق استخدام بعض المواد الكيميائية أو العقاقير التي تؤدي إلى خداع الآخرين والإضرار بهم، فإنه يرتكب كبيرة من الكبائر الموبقة، وقد يؤدي به ذلك إلى الكفر. وقد ذكر جمهور علماء أهل السنة أن تعلم السحر وتعليمه من الأمور المحرمة شرعاً.
قال ابن قدامة رحمه الله: “فإن تعلم السحر وتعليمه حرام، لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم”. وقال النووي رحمه الله: “وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن تضمن ما يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا”.
ويشمل هذا الحكم سواء تعلم المسلم السحر لتعليمه لغيره، أو تعلمه لنفسه فقط دون أن يعمل به أو يعلمه لغيره، فهو حرام في جميع الأحوال.
ماهية السحر
يعرف السحر بأنه عبارة عن رقى وعقد وكلام غير مفهوم، قد يتكلم به الساحر أو يفعله، ويؤثر في القلوب والأجساد والعقول، فيؤدي إلى المرض والقتل والتفريق بين الزوجين. ومن السحر ما يكون وهماً وتخييلاً، كما حدث مع سحرة فرعون في تحديهم لموسى عليه السلام، ورغم أن هذا السحر كان وهماً، إلا أنه أثر في قلوب الناس وأخافهم. قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِن سِحرِهِم أَنَّها تَسعى﴾.
ومنه ما يكون حقيقياً، كما حدث مع النبي صلى الله عليه وسلم عندما سحره اليهودي لبيد بن الأعصم. فقد روت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقالت: ﴿سُحِرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتَّى كانَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّه يَفْعَلُ الشَّيْءَ وما يَفْعَلُهُ، حتَّى كانَ ذَاتَ يَومٍ دَعَا ودَعَا، ثُمَّ قالَ: أشَعَرْتِ أنَّ اللَّهَ أفْتَانِي فِيما فيه شِفَائِي، أتَانِي رَجُلَانِ: فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِي والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ ما وجَعُ الرَّجُلِ؟ قالَ: مَطْبُوبٌ، قالَ: ومَن طَبَّهُ؟ قالَ لَبِيدُ بنُ الأعْصَمِ، قالَ: فِيما ذَا، قالَ: في مُشُطٍ ومُشَاطَةٍ وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قالَ فأيْنَ هُوَ؟ قالَ: في بئْرِ ذَرْوَانَ فَخَرَجَ إلَيْهَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ: نَخْلُهَا كَأنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ فَقُلتُ اسْتَخْرَجْتَهُ؟ فَقالَ: لَا، أمَّا أنَا فقَدْ شَفَانِي اللَّهُ، وخَشِيتُ أنْ يُثِيرَ ذلكَ علَى النَّاسِ شَرًّا ثُمَّ دُفِنَتِ البِئْرُ﴾.
المصادر
- سورة البقرة ، آية:102
- رواه أبو داوود، في سنن ابي داوود، عن عبد الله بن عباس ، الصفحة أو الرقم:3905، إسناده صحيح.
- رواه البخاري ، في صحيح البخاري ، عن أبي هريرة ، الصفحة أو الرقم:6857، صحيح .
- رواه البخاري ، في صحيح البخاري ، عن عائشة أم المؤمنين ، الصفحة أو الرقم:3268، صحيح .








