نصائح وحكم من الإمام الشافعي
الإمام الشافعي، فقيه وعالم جليل، ترك لنا إرثاً عظيماً من الحكمة والمعرفة، نقتبس من شعره بعض الدرر:
إرشادات في النصح
يقول الإمام الشافعي في آداب النصيحة:
عَمْدَني بِنُصْحِكَ في انْفِرادِي
وجَنِّبْنِي النَّصِيحَةَ في الجَمَاعَةِ
فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ
مِنَ التَّوْبِيخِ لا أَرْضَى اسْتِمَاعَهُ
وإنْ خَالَفْتَنِي وعَصَيْتَ قَوْلِي
فَلا تَجْزَعْ إذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَة
هنا يوضح أهمية تقديم النصيحة بشكل خاص ولطيف، فالنصح أمام الآخرين قد يُعتبر توبيخاً.
فضيلة الصمت
كما تحدث عن قيمة الصمت في بعض الأحيان:
وَجَدْتُ سُكُوتِي مَتْجَرًا فَلَزِمْتُهُ
إذا لَمْ أَجِدْ رِبْحًا فَلَسْتُ بِخَاسِرِ
وَمَا الصَّمْتُ إلاَّ في الرِّجَالِ مَتَاجِرُ
وَتَاجِرُهُ يَعْلُو عَلَى كُلِّ تَاجِرِ
يشير إلى أن الصمت قد يكون مكسباً في كثير من المواقف، وأنه تجارة رابحة للعاقل.
الترفع عن الجاهلين
وينصح بالابتعاد عن السفهاء:
يُخَاطِبُنِي السَّفِيهُ بِكُلِّ قُبْحٍ
فَأَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ لَهُ مُجِيبَا
يَزِيدُ سَفَاهَةً فَأَزِيدُ حِلْمًا
كَعُودٍ زَادَهُ الإِحْرَاقُ طِيبَا
ويظهر هنا الحكمة في التعامل مع الجهل، بالترفع والحلم.
نظرة إلى الحياة
ويقدم لنا الشافعي نظرة شاملة عن الحياة وتقلباتها:
دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ
وَطِبْ نَفْسًا إِذَا حَكَمَ القَضَاءُ
وَلا تَجْزَعْ لِحَادِثَةِ اللَّيَالِي
فَمَا لِحَوَادِثِ الدُّنْيَا بَقَاءُ
وَكُنْ رَجُلاً عَلَى الأَهْوَالِ جَلْدًا
وَشِيمَتُكَ السَّمَاحَةُ وَالوَفَاءُ
وَإِنْ كَثُرَتْ عُيُوبُكَ فِي البَرَايَا
وَسَرَّكَ أَنْ يَكُونَ لَهَا غِطَاءُ
تَسَتَّرْ بِالسَّخَاءِ فَكُلُّ عَيْبِ
يُغَطِّيهِ كَمَا قِيلَ السَّخَاءُ
وَلا تُرِ لِلأَعَادِي قَطُّ ذُلاً
فَإِنَّ شَمَاتَةَ الأَعْدَاءِ بَلاَءُ
وَلا تَرْجُ السَّمَاحَةَ مِنْ بَخِيلٍ
فَمَا فِي النَّارِ لِلظَّمْآنِ مَاءُ
وَرِزْقُكَ لَيْسَ يَنْقُصُهُ التَّأَنِّي
وَلَيْسَ يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ العَنَاءُ
وَلا حُزْنٌ يَدُومُ وَلا سُرُورٌ
وَلاَ بُؤْسٌ عَلَيْكَ وَلاَ رَخَاءُ
إذَا مَا كُنْتَ ذَا قَلْبٍ قَنُوعٍ
فَأَنْتَ وَمَالِكُ الدُّنْيَا سَوَاءُ
وَمَنْ نَزَلَتْ بِسَاحَتِهِ المَنَايَا
فَلاَ أَرْضٌ تَقِيهِ وَلاَ سَمَاءُ
وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ وَلَكِنْ
إِذَا نَزَلَ القَضَا ضَاقَ الفَضَاءُ
دَعِ الأَيَّامَ تَغْدِرُ كُلَّ حِينٍ
فَمَا يُغْنِي عَنِ المَوْتِ الدَّوَاءُ
هذه الأبيات تحمل خلاصة الحكمة، وتشجع على الرضا والصبر والقناعة.
رؤى المتنبي في الحياة
أبو الطيب المتنبي، شاعر العرب الكبير، يتميز شعره بالفخر والحكمة والفلسفة. إليكم بعضاً من أقواله الخالدة:
الهموم والأحزان
يصف المتنبي تأثير الهموم على الإنسان:
وَالهَمُّ يَختَرمُ الجَسيمَ نحافةً
وَيُشيبُ نَاصية الصبيّ وَيُهرمُ
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعــم
يعبر عن كيف أن الهموم والأحزان تنال من الإنسان وتؤثر على حياته.
الدنيا وزوالها
يتأمل المتنبي في فناء الدنيا:
نَبْكي على الدّنْيا وَمَا مِنْ مَعْشَرٍ
جَمَعَتْهُمُ الدّنْيا فَلَمْ يَتَفَرّقُوا
أينَ الأكاسِرَةُ الجَبابِرَةُ الأُلى
كَنَزُوا الكُنُوزَ فَما بَقِينَ وَلا بَقُوا
من كلّ مَن ضاقَ الفَضاءُ بجيْشِهِ
حتى ثَوَى فَحَواهُ لَحدٌ ضَيّقُ
خُرْسٌ إذا نُودوا كأنْ لم يَعْلَمُوا
أنّ الكَلامَ لَهُمْ حَلالٌ مُطلَقُ
فَالمَوْتُ آتٍ وَالنُّفُوسُ نَفائِسٌ
وَالمُسْتَعِزُّ بِمَا لَدَيْهِ الأحْمَقُ
وَالمَرْءُ يأمُلُ وَالحَيَاةُ شَهِيّةٌ
وَالشّيْبُ أوْقَرُ وَالشّبيبَةُ أنْزَقُ
يتذكر الأمم السابقة وقوتها وزوالها، مؤكداً على حقيقة الموت وأن الإنسان يجب أن يكون حكيماً في تعامله مع الحياة.
الطموح والعزة
يحث على السعي نحو المعالي وعدم الرضا بالقليل:
إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ
فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ
فطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ حَقِيرٍ
كطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ عَظيمِ
يدعو إلى الطموح العالي والسعي نحو الأهداف النبيلة، فالموت واحد سواء كان في سبيل أمر عظيم أو حقير.
اليأس والأمل
ويتحدث عن حال اليأس والأمل في النفوس:
كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا
وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا
تَمَنَّيتَها لَمّا تَمَنَّيتَ أَن تَرى
صَديقاً فَأَعيا أَو عَدُوّاً مُداجِيا
إِذا كُنتَ تَرضى أَن تَعيشَ بِذِلَّةٍ
فَلا تَستَعِدَّنَّ الحُسامَ اليَمانِيا
وَلا تَستَطيلَنَّ الرِماحَ لِغارَةٍ
وَلا تَستَجيدَنَّ العِتاقَ المَذاكِيا
فَما يَنفَعُ الأُسدَ الحَياءُ مِنَ الطَوى
وَلا تُتَّقى حَتّى تَكونَ ضَوارِيا
حَبَبتُكَ قَلبي قَبلَ حُبِّكَ مَن نَأى
وَقَد كانَ غَدّاراً فَكُن أَنتَ وافِيا
وَأَعلَمُ أَنَّ البَينَ يُشكيكَ بَعدَهُ
فَلَستَ فُؤادي إِن رَأَيتُكَ شاكِيا
فَإِنَّ دُموعَ العَينِ غُدرٌ بِرَبِّها
إِذا كُنَّ إِثرَ الغادِرينَ جَوارِيا
يصور حالة اليأس التي تجعل الموت أمنية، ويحث على العزة والكرامة.
كلمات الإمام علي بن أبي طالب
الإمام علي بن أبي طالب، رابع الخلفاء الراشدين، اشتهر بفصاحته وحكمته. من أقواله:
الحياة والموت
يتأمل في الحياة والموت والآخرة:
النَفسُ تَبكي عَلى الدُنيا وَقَد عَلِمَت
إِنَّ السَلامَةَ فيها تَركُ ما فيها
لا دارَ لِلمَرءِ بَعدَ المَوتِ يَسكُنُها
إِلّا الَّتي كانَ قَبلَ المَوتِ بانيها
فَإِن بَناها بِخَيرٍ طابَ مَسكَنُها
وَإِن بَناها بَشَرٍّ خابَ بانيها
أَينَ المُلوكُ الَّتي كانَت مُسَلطَنَةً
حَتّى سَقاها بِكَأسِ المَوتِ ساقيها
أَموالُنا لِذَوي الميراثِ نَجمَعُها
وَدورُنا لِخرابِ الدَهرِ نَبنيها
كَم مِن مَدائِنَ في الآفاقِ قَد بُنِيَت
أَمسَت خَراباً وَدانَ المَوتُ دانيه
لِكُلِّ نَفسٍ وَإِن كانَت عَلى وَجَلٍ
مِنَ المَنيَّةِ آمالٌ تُقَوّيها
فَالمَرءُ يَبسُطُها وَالدَهرُ يَقبُضُها
وَالنَفسُ تَنشُرُها وَالمَوتُ يَطويه
تذكير بزوال الدنيا وأهمية العمل للآخرة.
حِكم زهير بن أبي سلمى
زهير بن أبي سلمى، شاعر الحكمة، يتميز شعره بالرصانة والتجربة. من أبياته:
سَئِمتُ تَكاليفَ الحياة وَمَن يَعِش
ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ
رَأَيتُ المَنايا خَبطَ عَشواءَ مَن تُصِب
تُمِتهُ وَمَن تُخطِئ يُعَمَّر فَيَهرَمِ
وَأَعلَمُ عِلمَ اليَومِ وَالأَمسِ قَبلَهُ
وَلَكِنَّني عَن عِلمِ ما في غَدٍ عَموَمِ
وَمَن لا يُصانِع في أُمورٍ كَثيرَةٍ
يُضَرَّس بِأَنيابٍ وَيوطَأ بِمَنسِمِ
وَمَن يَكُ ذا فَضلٍ فَيَبخَل بِفَضلِهِ
عَلى قَومِهِ يُستَغنَ عَنهُ وَيُذمَمِ
وَمَن يَجعَلِ المَعروفَ مِن دونِ عِرضِه
يَفِرهُ وَمَن لا يَتَّقِ الشَتمَ يُشتَمِ
ومن لا يزد عن حوضه بنفسه
يهدم ومن يخالق الناس يعلم
وَمَن هابَ أَسبابَ المَنِيَّةِ يَلقَها
وَإن يرق أَسبابَ السَماءِ بِسُلَّمِ
وَمَن يَعصِ أَطرافَ الزُجاجِ ينلنه
يُطيعُ العَوالي رُكِّبَت كُلَّ لَهذَمِ
وَمَن يوفِ لا يُذمَم وَمَن يُفضِ قَلبُهُ
إِلى مُطمَئِنِّ البِرِّ لا يَتَجَمجَمِ
وَمَن يَغتَرِب يَحسِب عَدُوّاً صَديقَهُ
وَمَن لا يُكَرِّم نَفسَهُ لا يُكَرَّمِ
وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ
وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ
وَمَن يزل حاملاً على الناسَ نَفسَهُ
وَلا يُغنِها يَوماً مِنَ الدَهرِ يُسأَمِ
يتحدث عن صعوبة الحياة، والحكمة في التعامل مع الناس، وأهمية الكرم.
أقوال متفرقة في الحياة
حكم واقوال مأثورة حول الحياة :
يقول المفتي عبداللطيف فتح الله:
أَصَفاءٌ وَهَل يَدومُ صَفاءُ
وَهَناءٌ وَلَيسَ يَبقى هناءُ
وَسُرورٌ وَلِلهُمومِ وُجدنا
أَيّ يَومٍ نُسَرُّ لَسنا نُساءُو
وَبَقاءٌ وَلِلفَناءِ خُلِقنا
كَيفَ نَبقى وَيَعتَرينا الفناءُ
وَخُلودٌ وَلِلمَماتِ وُلِدنا
وَبِناءٌ وَلِلخَرابِ البِناءُ
وَحَياةٌ وَلا بَقاءَ لِفانٍ
أَلِغَيرِ القَديمِ حُقّ البقاءُ
ما اِغتِرارُ الوَرى بِدارِ غرورٍ
وَهيَ دارٌ فيها الرّدى وَالبَلاءُ
وَالرّزايا فينا بِها تَتَوالى
لَهف قَلبي ما لِلرزايا اِنتِهاءُ
حَسبُنا اللّهُ إِنّنا قَد رُزِئنا
بِشِهابٍ لَهُ الكَمالُ سَماءُنُورهُ
العِلمُ وَالمَعارِفُ يَزهو
مَلأ الكَون مِن هُداهُ الضّياءُ
شَمسُ عِلمٍ قَد أَشرَقَت بِاِزدِهاء
وَلِشَمسِ العُلومِ يَسمو اِزدِهاءُ
يقول المعتضد بن عباد:
رعى اللَه حالينا حديثاً وماضينا
وإن كنت قد جردت عزمي ماضينا
فما لليالي لا تزال ترومني
ويرمين مني صائب السهم قاضيا
وقد علمت أن الخطوب تطوعني
وما زلت من لبس الدنيات عاريا
أجددت في الدنيا ثياباً جديدة
يجدد منها الجود ما كان باليا
فما مر بي بخلٌ بخاطر مهجتي
ولا مر بخل الناس قط بباليا
ألا حبذا في المجد إتلاف طارفي
وبذلي عند الحمد نفسي وماليا
تعزَّ، فإنَّ الصبر بالحرِّ أجمل
وليس على رَيب الزمان معولُ
فإن تكن الأيام فينا تبدلَّت
بنُعمَى وبُؤسَى، والحوادث تفعلُ
فما ليَّنتْ منا قناةً صليبةً
ولا ذلَّلتْنا للذي ليس يجملُ
ولكن رحلناها نفوسًا كريمة
تُحمَّل مالا تستطيعُ فتَحملُ
يقولأبو العلاء المعري:
غَدَوتَ مَريضَ العَقلِ وَالدينِ فَاِلقَني
لِتَسمَعَ أَنباءَ الأُمورِ الصَحائِحِ
فَلا تَأكُلَن ما أَخرَجَ الماءُ ظالِماً
وَلا تَبغِ قوتاً مِن غَريضِ الذَبائِحِ
وَأَبيَضَ أُمّاتٍ أَرادَت صَريحَهُ
لِأَطفالِها دونَ الغَواني الصَرائِحِ
وَلا تَفجَعَنَّ الطَيرَ وَهيَ غَوافِلٌ
بِما وَضَعَت فَالظُلمُ شَرُّ القَبائِحِ
وَدَع ضَربَ النَحلِ الَّذي بَكَرَت لَهُ
كَواسِبَ مِن أَزهارِ نَبتٍ فَوائِحِ
فَما أَحرَزَتهُ كَي يَكونَ لِغَيرِها
وَلا جَمَعَتهُ لِلنَدى وَالمَنائِحِ
مَسَحتُ يَدَي مِن كُلِّ هَذا فَلَيتَني
أَبَهتُ لِشَأني قَبلَ شَيبِ المَسائِحِ
بَني زَمني هَل تَعلَمونَ سَرائِراً
عَلِمتُ وَلَكِنّي بِها غَيرُ بائِحِ
سَرَيتُم عَلى غَيٍّ فَهَلّا اِهتَدَيتُمُ
بِما خَيَّرتُكُم صافِياتُ القَرائِحِ
وَصاحَ بِكُم داعِيَ الضَلالِ فَما لَكُم
أَجَبتُم عَلى ما خَيَّلَت كُلَّ صائِحِ
مَتّى ما كَشَفتُم عَن حَقائِقِ دينِكُم
تَكَشَّفتُم عَن مُخزَياتِ الفَضائِحِ
