جدول المحتويات:
افتتاح الخطبة
الحمد لله، ذي الفضل والإحسان، المطلع على السر والإعلان، يعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. نحمده على جزيل نعمه، ونشكره على عظيم فضله، ونسأله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنجينا من عذاب النار، وتدخلنا الجنة بسلام. ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين.
التوصية بتقوى الله عز وجل
أيها المسلمون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين. التقوى هي سبيل النجاة والفلاح، وهي العاصمة من الفتن والمحن. لقد أمرنا الله تعالى بالتقوى في كتابه العزيز، وحثنا عليها في سنة نبيه الكريم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
القسم الأول من الخطبة
إخوة الإيمان، اعلموا رحمكم الله أن التقوى هي رأس الأمر كله، وهي جماع الخير كله. لقد وصى الله بها الأمم السابقة، وأوصانا بها نحن، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]. التقوى هي النور الذي يضيء لنا الطريق، وهي الفرقان الذي نفرق به بين الحق والباطل. وهي الكرامة الحقيقية التي يكرم الله بها عباده المتقين. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].
التقوى هي الحصن الحصين الذي يحمي المسلم من الوقوع في المعاصي والذنوب. وهي تتجلى في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه. قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما التقوى؟ فقال: “أما سلكت طريقاً ذا شوك؟” قال: بلى. قال: “فما عملت؟” قال: “شمَّرت واجتهدت”. قال: “فذلك التقوى”. أي أن المسلم يجتهد في الابتعاد عن كل ما يضره في دينه ودنياه.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “التقوى هي ترك المعصية، وترك الاغترار بالطاعة”. وهذا يدل على أن طريق التقوى يتطلب الإخلاص لله عز وجل، والبعد عن الرياء والسمعة. لقد بين المفسرون أن التقوى هي أساس التفاضل بين الناس، وأن المتقي هو أكرم الناس وأشرفهم.
وعندما تضاف كلمة التقوى إلى الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، فإن المعنى هو اتقوا سخط الله وعذابه. وقد ذكر الله تعالى أنه أهل للتقوى، أي أنه جدير بأن يتقيه عباده، ليس فقط لأنه مالك الملك، ولكن لأنه أهل لذلك. قال تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: 56].
القسم الثاني من الخطبة
أيها المؤمنون، للتقوى فضائل جمة وثمار يانعة. فهي تنجي من عذاب يوم القيامة، وهي خير زاد يتزود به المسلم في دنياه. وهي علامة يتميز بها أولياء الله، الذين هم أكرم الخلق على الله. وهي سبب لدخول الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133].
وبالإضافة إلى ذلك، يفوز المتقي بمعية الله وتأييده ونصره، وتكون التقوى سبباً لمغفرة الذنوب وتيسير الأمور. ومن أعظم فضائل التقوى محبة الله سبحانه وتعالى لعباده المتقين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4].
التقوى هي السبيل إلى الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة. وهي ترفع العبد فوق الناس يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: 212]. وتنزل الرحمة على المسلم بسبب تقواه، ويبشر بالخير في الدنيا والآخرة.
يمكن للمسلم أن يصل إلى التقوى من خلال تصحيح عقيدته وسلوكه، بحيث يكون وفق ما يريده الله تعالى، وذلك من خلال فعل كل ما يرضيه واجتناب كل ما يغضبه. والإيمان هو سبب من أسباب الوصول إلى التقوى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]. كما يمكننا الوصول إلى التقوى من خلال التفكر في خلق الله تعالى، والصدق في سعينا إلى الله تعالى، واستقامة سلوكنا وكلامنا.
الدعاء
اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم يسر لنا سبل التقوى وهيئ لنا أسبابها، وأعنا أن نكون من عبادك المتقين. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
المراجع
- تفسير القرآن الكريم
- كتب الحديث الشريف
- أقوال السلف الصالح في التقوى








