مقدمة
تحمل لنا قصص الحيوانات في طياتها دروسًا وعبرًا عميقة، وغالبًا ما تكون هذه القصص وسيلة لنقل الحكمة من جيل إلى جيل. من بين هذه القصص، نجد حكايات عن الأسد والضفدع، تروي لنا تفاعلاتهم المختلفة، وتكشف عن جوانب من الحياة، كالصبر والقدر. وإحدى الحكم القديمة التي تناقلتها الأجيال تقول: “سأصبر عليك صبر الأسد على حمل الضفدع”. هذه العبارة تختزل قصة كاملة سنستكشفها في هذا المقال.
قصة الأسد والضفدع
يحكى أنه في قديم الزمان، كان هناك أسد بلغ من العمر عتيًا، ولم يعد قادرًا على ممارسة الصيد كما كان يفعل في شبابه. تجاذبه التعب والإرهاق، فسار بصعوبة حتى وصل إلى بركة ماء تعج بالضفادع. كانت هذه البركة مصدر رزقه في الماضي، حيث كان يصطاد منها ما يسد رمقه. دار حوار بين الأسد، ملك الغابة، وأحد الضفادع:
الضفدع: ما الذي أصابك يا ملك الغابة؟ لماذا تبدو حزينًا؟
الأسد: كيف لا أحزن، وقد كان عيشي رغيدًا بفضل ما كنت أصطاده من هذه الضفادع، ولكنني ابتليت بلعنة تحرم عليّ أكلها.
حديث الضفدع مع الملك
بعد سماع الضفدع لكلام الأسد، انطلق مسرعًا إلى ملك الضفادع ليخبره بما سمعه، واصفًا له حالة الأسد وحزنه الشديد، وكيف أن الشيخوخة قد أثرت فيه وأصبح عاجزًا عن إعالة نفسه. فدار بينهما الحديث التالي:
الضفدع: يا ملك الضفادع، لقد رأيت الأسد مستلقيًا على الأرض وهو في حالة حزن شديد، والعجيب في الأمر أنه ممنوع من أكل الضفادع بسبب لعنة أصابته.
ملك الضفادع: وأين هو الآن؟
الضفدع: إنه بجانب المستنقع، يجلس حزينًا يائسًا، فقد تغير كثيرًا ولم يعد ذلك الأسد القوي الذي تهابه جميع الحيوانات.
لقاء الأسد بملك الضفادع
أثار الفضول ملك الضفادع لمعرفة السبب وراء حزن ملك الغابة، وكيف وصل إلى هذه الحالة من الضعف. فقرر الذهاب إليه بنفسه، ودار بينهما الحوار التالي:
ملك الضفادع: ما الذي أصابك يا ملك الغابة؟
الأسد: لم يعد بإمكاني أن آخذ من هذه الضفادع شيئًا إلا ما يتصدق به عليّ الملك.
ملك الضفادع: وما قصة تلك اللعنة التي أصابتك؟
الأسد: بينما كنت أطارد ضفدعًا، وصل إلى بيت ناسك، فدخلت البيت خلفه. كان في البيت ابن الناسك الصغير، فأصبت إصبعه ظنًا مني أنه الضفدع، فقتلته بأنيابي. هربت مذعورًا، فتبعني الناسك ودعا عليّ ولعنني، وقال: كما قتلت هذا الغلام الصغير ظلمًا، أدعو عليك أن تُذل وتُخزى وتكون مركبًا لملك الضفادع، وتُحرم أكلها إلا ما يتصدق عليك ملكها.
حمل الأسد للملك
بعد أن استمع ملك الضفادع إلى قصة الأسد واللعنة التي حلت به، دار بينهما الحديث التالي:
أكمل الأسد حديثه قائلًا: أتيت إليك لتركبني، معترفًا بذنبي وراضيًا بقضائي، لعل هذه اللعنة تزول عني.
رغب ملك الضفادع في ركوب الأسد بشدة، معتقدًا أن ذلك شرف ورفعة له. فقال: ستحملني على ظهرك وتمشي، وسأعطيك رزقًا تعيش به. فأمر له بضفدعين كل يوم يقدمان إليه.
ركب ملك الضفادع على ظهر الأسد أيامًا، ثم قال الأسد: علمت أني محروم وملعون، ولا أقدر على الصيد إلا ما تصدقت به عليّ من الضفادع.
العبرة من القصة
في نهاية المطاف، صبر الأسد على حمل الضفدع الذي كان يؤمن له طعامه يوميًا، وأصبحت هذه القصة رمزًا للصبر والتحمل. وتعلمنا القصة أهمية الصبر في مواجهة الشدائد، وأن القدر قد يضعنا في مواقف غير متوقعة تتطلب منا التجلد والثبات.
هذه الحكمة “سأصبر عليك صبر الأسد على حمل الضفدع” تذكرنا بضرورة التحلي بالصبر في العلاقات الإنسانية أيضًا، فقد نضطر أحيانًا لتحمل أشخاص أو ظروف صعبة من أجل تحقيق هدف أسمى أو الحفاظ على علاقة ذات قيمة.
إن قصة الأسد والضفدع، بكل ما تحمله من عبر، تبقى مثالًا حيًا على قدرة الحكايات الشعبية على نقل القيم والأخلاق من جيل إلى جيل.
وفي القرآن الكريم آيات تحث على الصبر، منها قول الله تعالى: “وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ” (البقرة: 45).








