افتتاحية
الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي اختصنا بأفضل كتاب وأكرمنا بأفضل نبي وأتم علينا نعمته بأن جعل الإسلام لنا منهاجاً، فقال -جل وعلا-:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله بالهدى والنور، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة.
التأكيد على تقوى الله
أيها المؤمنون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل في السر والعلن، فتقوى الله هي خير الزاد والمنهج. وأحذركم ونفسي من معصية الله ومخالفة أمره، لأن الله تعالى يقول:(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ).
القسم الأول
لقد خلق الله الإنسان لغاية سامية، وأعطاه مكانة عالية، وكرمه تفضيلاً على كثير من المخلوقات، كما قال تعالى:(وَلَقَد كَرَّمنا بَني آدَمَ وَحَمَلناهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلناهُم عَلى كَثيرٍ مِمَّن خَلَقنا تَفضيلًا). ولكي يحقق الإنسان تلك الغاية وينال التكريم، يجب عليه أن يؤدي العبادة التي خُلق من أجلها، كما جاء في قوله تعالى:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
يا أيها المسلمون، مفهوم العبادة في الإسلام ليس محصوراً فقط في الصلوات والصيام والحج، بل يشمل كل عمل يقوم به الإنسان في حياته، سواء كان تجارة أو صناعة أو أي عمل مباح يكفل له حياة كريمة ويحميه من الفقر والحاجة. العمل في الإسلام له معنى واسع يشمل كل جهد مادي أو معنوي، فالعامل في المصنع والمدير والموظف والتاجر والفلاح والطبيب والمهندس، جميعهم يمارسون أعمالاً تدخل في نطاق العمل في الإسلام.
هناك العديد من الآيات القرآنية التي تدل على أهمية العمل وفضله، ومنها قوله تعالى:(وَقُلِ اعمَلوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُم وَرَسولُهُ وَالمُؤمِنونَ وَسَتُرَدّونَ إِلى عالِمِ الغَيبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِما كُنتُم تَعمَلونَ). هذه الآية تحث على العمل بكل أنواعه، سواء كانت عبادات أو أعمال ضرورية للحياة، مثل الصناعات التي تخدم الجهاد في سبيل الله، أو أي عمل حلال يجلب الرزق الذي ينفق في أوجه الخير.
بالإضافة إلى الآيات القرآنية، هناك الأحاديث النبوية التي تؤكد أن الإسلام دين العمل والنشاط. كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من العجز والكسل، كما جاء في الحديث النبوي:(اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ، والجُبْنِ والهَرَمِ، وأَعُوذُ بكَ مِن فِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ، وأَعُوذُ بكَ مِن عَذابِ القَبْر). لذلك، لا يليق بالمسلم أن يكون عاجزاً أو متكاسلاً، بل يجب أن يكون عاملاً مجتهداً.
الإسلام يحث على العمل الجاد وينظم العلاقات بين العمال وأصحاب العمل على أساس الإخلاص والأمانة وإتقان العمل وأداء الحقوق.
القسم الثاني
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. أيها المسلمون، لقد وضع الإسلام أسسًا لأخلاق العمل، وفرض على المسلمين إتقان العمل وتجنب الغش. الإسلام يجمع بين الفوائد الدنيوية للعمل والأجر والثواب في الآخرة. من أخلاق العمل في الإسلام أن يبتعد المسلم عن الرشوة في عمله.
دعاء
اللهم صلِّ على حبيبك ونبيك محمد، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم وفقنا للعمل لمرضاتك وارزقنا رزقا حسنا طيبا مباركا فيه. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وآتنا في الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وأقم الصلاة.
المراجع
- سورة المائدة، آية:3
- سورة الجاثية، آية:15
- سورة الإسراء، آية:70
- سورة الذاريات، آية:56
- محمد بن إسماعيل البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:2823 .
