فهرس المحتويات
مقدمة عن التصوير الفني في قصيدة المساء
تعتبر قصيدة المساء لخليل مطران من روائع الشعر العربي الحديث، حيث تجسد حالة نفسية عميقة من خلال صور فنية بديعة. يعتمد الشاعر على التصوير الحسي والخيالي لنقل إحساسه بالوحدة والاغتراب، مستخدماً الطبيعة كمرآة تعكس مشاعره وأفكاره. تتجلى في القصيدة مهارة مطران في استخدام الاستعارات والتشبيهات، مما يضفي على النص عمقاً وجمالاً.
تحليل القصيدة
دراسة المقطع الأول
يفتتح مطران قصيدته بالحديث عن المرض الذي ألم به، معتقداً أنه سيشفيه من لوعة الشوق، لكن النتيجة كانت عكسية. يقول:
“داءٌ ألَمَّ فَخِلْتُ فِيهِ شَفَائِي
مِنْ صَبْوَتِي فَتَضَاعَفَتْ بُرَحَائِي
يَا لَلضَّعِيفَيْنِ اسْتَبَدَّا بِي وَمَافِي الظُّلْمِ مِثْلُ تَحَكُّمِ الضُّعَفَاءِ
قَلْبٌ أَذَابَتْهُ الصَّبَابَةُ وَالْجَوَى
وَغِلاَلَةٌ رَثَّتْ مِنِ الأَدْوَاءِ
وَالرُّوْحُ بيْنَهُمَا نَسِيمُ تَنَهُّدٍ
فِي حَالَيَ التَّصْوِيبِ وَالصُّعَدَاءِ
وَالعَقْلُ كَالمِصْبَاحِ يَغْشَى نُورَهُ
كَدَرِي وَيُضْعِفُهُ نُضُوبُ دِمَائِي”
يصف الشاعر هنا الصراع الداخلي بين قلبه وجسده وروحه وعقله، فقلبه يعذبه الشوق، وجسده يعاني من الضعف والمرض، وروحه متعبة، وعقله فقد القدرة على التفكير بصفاء. العقل هنا مشبه بالمصباح الذي يخبو نوره بسبب الحزن ونقص الدماء، ما يعكس حالة الوهن واليأس التي يعيشها الشاعر.
دراسة المقطع الثاني
في هذا المقطع، يتوجه الشاعر بالحديث إلى محبوبته، معبراً عن حسرته على عمره الذي أضاعه في حبها. يقول:
“هَذَا الَّذِي أَبْقَيْتِهِ يَا مُنْيَتِي
مِنْ أَضْلُعِي وَحَشَاشَتِي وَذَكَائِي
عُمْرَيْنِ فِيكِ أَضَعْتُ لَوْ أَنْصَفْتِنِي
لَمْ يَجْدُرَا بِتَأَسُّفِي وَبُكَائِي
عُمْرَ الْفَتَى الْفَانِي وَعُمْرَ مُخَلَّدٍ
بِبيَانِهِ لَوْلاَكِ في الأَحْيَاءِ
فغَدَوْتَ لَمْ أَنْعَمْ كَذِي جَهْلٍ وَلَمْ
أغْنَمْ كَذِي عَقْلٍ ضَمَانَ بَقَائِي
يَا كَوْكَبًا مَنْ يَهْتَدِي بِضِيَائِهِ
يَهْدِيهِ طَالِعُ ضِلَّةٍ وَرِيَاءِ”
يصف الشاعر حبه بأنه أضاعه بين عمر فان وعمر خالد، وأنه لم يستطع أن يستمتع بحياته كالجاهل أو أن يحقق الخلود كالعاقل، و يشبه محبوبته بالكوكب الذي يضل من يهتدي بضوئه، ما يعكس خيبة أمله ومرارة تجربته.
دراسة المقطع الثالث
يستمر الشاعر في عتاب محبوبته، واصفاً إياها بأنها مورد ماء يسقي الورد فيموته، وزهرة تقتل من يستنشق عطرها. يقول:
“يا مَوْرِدًا يَسْقِي الوُرُودَ سَرَابُهُ
ظَمأً إِلى أَنْ يَهْلِكُوا بِظَمَاءِ
يَا زَهْرَةً تُحْيِي رَوَاعِيَ حُسْنِهَا
وَتُمِيتُ نَاشِقَهَا بِلاَ إِرْعَاءِ
هَذا عِتَابُكِ غَيْرَ أَنِّيَ مخطئ
أَيُرَامُ سَعْدٌ فِي هَوَى حَسْنَاءِ
حَاشَاكِ بَلْ كُتِبَ الشَّقَاءُ عَلَى الْورَى
وَالْحُبُّ لَمْ يَبْرَحْ أَحَبَّ شَقَاءِنِ
نِعْمَ الضَّلاَلَةُ حَيْثُ تُؤْنِسُ مُقْلَتِي
أَنْوَارُ تِلْكَ الطَّلْعَةِ الزَّهْرَاءِ”
يعترف الشاعر بأنه مخطئ في عتابها، وأن الشقاء هو قدر المحبين، لكنه في الوقت نفسه يجد في رؤية طلعتها الزهراء سلوى وتعويضاً عن ألمه. هذا المقطع يظهر التناقض بين الألم والمتعة في الحب.
دراسة المقطع الرابع
يعبر الشاعر عن قبوله بالوهم والألم في سبيل الاستمتاع بلحظات قريبة من محبوبته، متسائلاً عما إذا كان الابتعاد عنها سيشفيه. يقول:
“نِعْمَ الشَّفَاءُ إِذَا رَوِيْتُ بِرشْفَةٍ
مَكْذُوبَةٍ مِنْ وَهْمِ ذَاكَ المَاء
نِعْمَ الْحَيَاةُ إذا قضَيْتُ بِنَشْقَةٍ
مِنْ طِيبِ تِلكَ الرَّوْضَةِ الغَنَّاءِ
إِنِّي أَقَمْتُ عَلى التَّعِلَّةِ بِالمُنَى
فِي غُرْبَةٍ قَالوا تَكُونُ دَوَائِي
إِنْ يَشْفِ هَذَا الْجِسْمَ طِيبُ هَوَائِهَا
أَيُلَطَّف النِّيرَانَ طِيبُ هَوَاءِ
أَوْ يُمْسِكِ الْحَوْبَاءَ حُسْنُ مُقَامَهَا
هَلْ مَسْكَةٌ فِي البُعْدِ للْحَوْبَاءِ”
يظهر هنا استسلام الشاعر للقدر، وإدراكه أن الابتعاد عن محبوبته لن يشفيه من الألم، بل ربما يزيده. فهو يفضل الوهم القريب على الحقيقة البعيدة.
دراسة المقطع الخامس
يصف الشاعر حالته في المنفى، معبراً عن وحدته وعذابه، وشكواه للبحر الذي يرد عليه بالرياح العاصفة. يقول:
“عَبَثٌ طَوَافِي فِي الْبِلاَدِ وَعِلَّةٌ
فِي عِلَّةٍ مَنْفَايَ لاِسْتشْفَاء
مُتَفَرِّدٌ بِصَبَابَتِي مُتَفَرِّد
بِكَآبَتِي مُتَفَرِّدٌ بَعَنَائِي
شاكٍ إِلى البَحْرِ اضْطَرابَ خَوَاطِرِي
فَيُجِيبُنِي بِرِيَاحِهِ الهَوْجَاءِ
ثاوٍ عَلَى صَخْرٍ أَصَمَّ وَلَيْتَ لِي
قَلْبًا كَهَذِي الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ
يَنْتَابُهَا مَوْجٌ كَمَوْجِ مَكَارِهِ
وَيَفُتُّهَا كَالسُّقْمِ فِي أَعْضَائِي”
هذا المقطع يجسد حالة الوحدة والاغتراب التي يعيشها الشاعر، فالبحر هو الصديق الوحيد الذي يشاركه همومه، والصخرة الصماء هي رمز للقلب الذي يتمنى أن يكون قاسياً وصلباً ليتحمل عذابه. موج البحر يمثل المكاره التي تفتت قلبه كما يفتت السقم الأعضاء.
من الصور الفنية في القصيدة:
- اسْتَبَدَّا بِي: استعارة مكنية، حيث شبه قلبه وجسمه بالشخص المستبد، وحذف المشبه به الإنسان، وأبقى على شيء من لوازمه وهو الاستبداد.
- وَالعَقْلُ كَالمِصْبَاحِ يَغْشَى نُورَهُ كَدَرِي وَيُضْعِفُهُ نُضُوبُ دِمَائِي: تشبيه تمثيلي، حيث المشبه هو العقل، والمشبه به هو المصباح، وأداة الشبه هي الكاف، ووجه الشبه هو غشاء الكدر لنور المصباح وإضعافه بسبب نقص الدماء.
- إِنْ يَشْفِ هَذَا الْجِسْمَ طِيبُ هَوَائِهَا: استعارة مكنية، حيث شبه طيب هوائها بالدواء الذي يشفي، وحذف المشبه به الدواء، وأبقى على شيء من لوازمه وهو الشفاء.
- عبثٌ طوافي: تشبيه بليغ، حيث المشبه هو الطواف، والمشبه به هو العبث.
- فَيُجِيبُنِي بِرِيَاحِهِ: استعارة مكنية، حيث شبه رياح البحر بالشخص الذي يتكلم ويجيب، وحذف المشبه به الإنسان.
- يَنْتَابُهَا مَوْجٌ كَمَوْجِ مَكَارِهِ: تشبيه مجمل، حيث المشبه هو موج الصخرة، والمشبه به هو موج مكاره الشاعر.
- وَالبَحْرُ خَفَّاقُ الْجَوَانِبِ ضَائِقٌ كَمَدًا كصَدْرِي سَاعَةَ الإِمْسَاءِ: تشبيه تمثيلي، حيث المشبه هو البحر، والمشبه به هو صدر الشاعر، وأداة الشبه هي الكاف، ووجه الشبه هو الضيق.
- كَلْمَى كَدَامِيَةِ السَّحَابِ إزَائِي: تشبيه تمثيلي، حيث المشبه هو خواطر الشاعر، والمشبه به هو دامية السحاب، أداة الشبه هي الكاف.
- وَتَقَطَّرَتْ كَالدَّمْعَةِ الحَمْرَاءِ: تشبيه تمثيلي، حيث المشبه هو الشمس، والمشبه به هو الدمعة الحمراء، وأداة الشبه هي الكاف.
دراسة المقطع السادس
في هذا المقطع، يصف الشاعر البحر وقت المساء، وكيف يعكس ضيقه حزنه الداخلي. يقول:
“وَالبَحْرُ خَفَّاقُ الْجَوَانِبِ ضَائِقٌ
كَمَدًا كصَدْرِي سَاعَةَ الإِمْسَاءِ
تَغْشَى الْبَريَّةَ كُدْرَةٌ وَكَأَنَّهَا
صَعِدَتْ إِلى عَيْنَيَّ مِنْ أَحْشَائِي
وَالأُفْقُ مُعْتَكِرٌ قَرِيحٌ جَفْنُهُ
يُغْضِي عَلَى الْغَمَرَاتِ وَالأَقْذَاءِ
يا لَلْغُرُوبِ وَمَا بِهِ مِنْ عِبْرَةٍ
للِمْسْتَهَامِ وَعِبْرَةٍ لِلرَّائي
أَوَلَيْسَ نَزْعًا لِلنَّهَارِ وَصَرْعَةً
لِلشَّمْسِ بَيْنَ مَآتِمِ الأَضْوَاءِ”
البحر هنا يعكس حالة الشاعر النفسية، فالضيق الذي يشعر به البحر هو نفس الضيق الذي يعتمل في صدره. الغروب يمثل نهاية النهار وموت الشمس، وهو منظر مليء بالعبر للمحب والمتأمل.
دراسة المقطع السابع
يتأمل الشاعر في الغروب، وكيف يمحو معالم الأشياء ويحل محله الظلام والشك. يقول:
“أَوَلَيْسَ طَمْسًا لِلْيَقِينِ وَمَبْعَثً
اللِشَّكِّ بَيْنَ غَلاَئِلِ الظَّلْمَاءِ
أَوَلَيْسَ مَحْوًا لِلْوُجُودِ إِلى مَدَىً
وَإبَادَةً لِمَعَالِمِ الأَشْيَاءِ
حَتَّى يَكُونَ النُّورُ تَجْدِيدًا لَهَا
وَيَكونَ شِبْهَ الْبَعْثِ عَوْدُ ذُكَاءِ
وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالنَّهَارُ مُوَدِّعٌ
وَالْقَلْبُ بَيْنَ مَهَابَةٍ وَرَجَاءِ
وَخَوَاطِرِي تَبْدُو تُجَاهَ نَوَاظِرِي
كَلْمَى كَدَامِيَةِ السَّحَابِ إزَائِي”
الغروب هنا يمثل نهاية وبداية جديدة، فهو يمحو معالم الوجود مؤقتاً، لكنه أيضاً يمهد لعودة النور. يتذكر الشاعر محبوبته في هذه اللحظة، وقلبه معلق بين الخوف والرجاء.
دراسة المقطع الثامن
في المقطع الأخير، يصف الشاعر دموعه وهي تختلط بضوء الشمس الغاربة، وكيف يشعر بأن الكون يشاركه حزنه. يقول:
“وَالدَّمْعُ مِنْ جَفْنِي يَسِيلُ مُشَعْشَعًابِسَنَى الشُّعَاعِ الْغَارِبِ المُتَرَائِيوَالشَّمْسُ فِي شَفَقٍ يَسِيلُ نُضَارُهُفَوْقَالْعَقِيقِعَلى ذُرىً سَوْدَاءِمَرَّتْ خِلاَلَ غَمَامَتَيْنِ تَحَدُّرًاوَتَقَطَّرَتْ كَالدَّمْعَةِ الحَمْرَاءِفَكَأَنَّ آخِرَ دَمْعَةٍ لِلْكَوْنِ قَدْمُزِجَتْ بِآخِرِ أَدْمُعِي لِرِثَائِيوَكأَنَّنِي آنَسْتُ يَوْمِيَ زَائِلًافَرَأَيْتُ فِي المِرْآةِ كَيْفَ مَسَائِي”
الدموع هنا تعكس حزن الشاعر العميق، والشمس في الشفق تبدو وكأنها تبكي دماً. يشعر الشاعر بأن الكون كله يشاركه حزنه، وأن يومه يقترب من نهايته.
تفسير معاني الكلمات في قصيدة المساء
فيما يلي شرح لأهم الكلمات الواردة في قصيدة المساء:
| المفردة | الشرح |
|---|---|
| الصبابة | الشوق وشدته وحرارته. |
| الغلالة | الثوب الرقيق الذي يشف ويظهر ما تحته. |
| الأدواء | المرض ما ظهر منه وما بطن. |
| كدري | الهم والكآبة والحزن. |
| منيتي | الأمنية هي الرغبة المراد تحقيقها. |
| رياء | حينما يكون الظاهر مخالفًا للباطن، فيُظهر الإنسان شيء وهو في الواقع شيء آخر. |
| التعلة | ما يتعلل به. |
| الحوباء | النفس. |
| الأقذاء | الإفرازات التي تخرجها العين، وتعني كذلك السفلة من الناس. |








