مقدمة
تعتبر الأخلاق جوهر الحضارات و أساس المجتمعات السليمة، فهي تحدد سلوك الأفراد وتوجههم نحو الخير والصلاح. و تتجلى أهمية الأخلاق في كونها المعيار الذي يحكم العلاقات بين الناس، و يضمن تحقيق العدل والمساواة. و يثور تساؤل هام حول المصادر التي تستمد منها الأخلاق، وهل هي نابعة من الفلسفة والعقل البشري أم من الدين وتعاليم السماء؟
مفهوم الأخلاق لغة واصطلاحا
الأخلاق مشتقة لغوياً من كلمة “الخُلُق”، وهي تعني الطبع والسجية والمروءة. و تشير إلى الصفات الداخلية للإنسان التي توجه سلوكه وتصرفاته. وتنقسم الأخلاق إلى قسمين رئيسيين:
أخلاق حسنة
وهي تتضمن الأدب والفضيلة والالتزام بالقيم العليا. وتتجلى في الأقوال والأفعال الحسنة التي يقرها العقل السليم والشرع الحنيف.
أخلاق سيئة
وهي تتمثل في سوء الأدب والرذيلة والتخلي عن القيم العليا. وتنعكس في الأقوال والأفعال القبيحة التي يرفضها العقل والشرع.
أوجه الاختلاف بين الأخلاق الفلسفية والدينية
تهدف كلا من الأخلاق الفلسفية والأخلاق الدينية إلى تعزيز السلوك الحسن والأفعال الحميدة، إلا أنهما تختلفان في الأسس والمرجعيات التي يستندان إليها. فيما يلي أبرز الفروق بينهما:
الفرق الأول: أساس الجزاء والثواب
الأخلاق الدينية ترتكز على الإيمان بالجزاء والعاقبة الحسنة في الآخرة. فالمتدين يدرك أن سلوكه في الدنيا سيحاسب عليه أمام الله، وأن كل عمل يقوم به سواء كان صغيراً أم كبيراً سيؤثر على مصيره الأبدي. فـ “إن أحسن وأجاد راجياً ثواب الآخرة ناله بفضل الله -عز وجل-“، و “إن أساء وأفسد فإن يعرض نفسه للعقوبة والعذاب الأخروي-نسأل الله العافية-“.
أما الأخلاق الفلسفية، فإنها لا تعتد بمسألة الجزاء الأخروي، بل تعتمد على استحسان العقول والأعراف، والمعاملة الحسنة التي يتفق عليها المجتمع.
الفرق الثاني: مصدر القواعد والضوابط
الأخلاق الدينية تستمد قواعدها وضوابطها من نصوص الشريعة الإسلامية، سواء كانت قرآنية أو نبوية. “وهذا الأمر يجعلها أعلى مرتبة وأدعى لقبولها، والالتزام بها من الأخلاق الفلسفية التي تخضع للتجربة والنظر العقلي الإنساني.” فالأخلاق الدينية ثابتة ومستقرة، ولا تخضع للتغيرات والتبدلات التي تطرأ على المجتمعات.
في المقابل، تخضع الأخلاق الفلسفية للتجربة والنظر العقلي الإنساني، مما يجعلها عرضة للتبدل والتغير وفقاً لأهواء الأفراد والمجتمعات. “وهذا لا ينضبط لدرجة أن يقدم الحقيقة مجردة تماماً عن ميوله أو مؤثرات فيه؛ إما نفسية أو مجتمعية أو عرفية، فهي محل تبدلٍ وتغير وفق ما يغلِّبه منظرو أمة من الأمم، وكونها صادرة عن الإنسان نفسه فلن يكون لها الهيبة الموجودة في الأخلاق الدينية.”
الفرق الثالث: الشمولية والعمومية
تتميز الأخلاق الدينية بأنها صالحة لكل زمان ومكان، ولكل أمة من الأمم. “وذلك لأنها صادرة عن وحي إلهي عليم بحقيقة الإنسان، وحاجاته ومصالحه الأممية المجتمعية، فلذلك تكون موضوعية في ذاتها مجردة عن رغبات الإنسان وأهوائه؛ التي قد تزين له الباطل فيراه حقاً.” فهي لا تقتصر على فئة معينة من الناس، ولا تتبدل بتغير الظروف والأحوال.
بينما قد لا تكون الأخلاق الفلسفية صالحة لكل زمان ومكان، فقد تختلف من مجتمع إلى آخر، ومن عصر إلى آخر. “في حين تجد الأخلاق الفلسفية لا تسلم من كل ذلك، وإن كانت تسلم من بعضه أحياناً، أو في مجتمع ما فإنها ليست كذلك في مجتمع آخر أو زمانٍ آخر.”
أهمية الأخلاق في حياة المسلم
تتبوأ الأخلاق مكانة عظيمة في الإسلام، فهي جزء لا يتجزأ من الدين. وقد تجسدت الأخلاق الحميدة في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي كان خير قدوة للمسلمين في أقواله وأفعاله.
وقد سئل مسلم إن كان قد قرأ في أدب النفس لأحد الفلاسفة، فقال: “بل قرأت أدب النفس لمحمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فوجدنا ما تخيله الأولون من الفضائل مجسداً في حياة وسلوك النبي-صلى الله عليه وسلم- الذي كان أسوة أخلاقية عظيمة وقدوة قيَمية رائدة عُليا.”
وقال: “ورأينا أن ما كان مستنداً ومتصلاً بوحي الإله العليم الخبير؛ قابلاً للوجود في الواقع الإنساني محققاً مصالح الأمة، غير ملغٍ لمصالح أفرادها، ولم يكن مغلباً الرغبات الفردية على المصلحة الأممية، بل كان الوسط العملي المتزن الواقعي القابل للتطبيق والوجود بين الناس.”
المراجع
- الفيروزآبادي، القاموس المحيط، صفحة 881. بتصرّف.
- وزارة الأوقاف السعودية، الأخلاق في الإسلام، صفحة 3. بتصرّف.
- أبمصطفى حلمي، الأخلاق بين الفلاسفة وعلماء الدين، صفحة 29. بتصرّف.
- أبمصطفى حلمي، الأخلاق بين الفلاسفة وعلماء الدين، صفحة 33.
- أبمصطفى حلمي، الأخلاق بين الفلاسفة وعلماء الدين، صفحة 47 -48. بتصرّف.
- أبمحمد الغزالي، خلق المسلم، صفحة 3 -4. بتصرّف.
