مقدمة
يعد التراث بكل أنواعه جزءًا لا يتجزأ من هوية الأمم والشعوب، فهو يعكس تاريخها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها. يعتبر فهم الفرق بين نوعي التراث، المادي وغير المادي، أمرًا ضروريًا للحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال القادمة. التراث يشمل كل ما ورثناه من الماضي، بدءًا من الآثار والمباني القديمة وصولًا إلى العادات والتقاليد الشفهية والفنون. يهدف هذا المقال إلى توضيح الفروق الجوهرية بين هذين النوعين من التراث، مع تقديم أمثلة متنوعة لكل منهما، وبيان أهم طرق الحفاظ عليهما.
تعريفات أساسية
يمكن التمييز بين التراث المادي والمعنوي من خلال التعريفات التالية:
التراث المحسوس
يشمل التراث المحسوس جميع الآثار والمباني والمنشآت التي تم إنشاؤها في الماضي، والتي تم الحفاظ عليها وتناقلها عبر الأجيال. يعكس هذا النوع من التراث الإنجازات المادية للحضارات السابقة، ويعتبر شاهدًا على تاريخها وتطورها. من أمثلة التراث المادي، الأهرامات في مصر، سور الصين العظيم، والمدن الأثرية مثل تدمر وجرش.
التراث غير المحسوس
يُعرف أيضًا بالتراث اللامادي، ويشمل التقاليد، والمعارف، والمهارات التي تنتقل من جيل إلى جيل. يشتمل هذا النوع من التراث على الفنون الأدائية، والطقوس، والعادات الاجتماعية، والمعتقدات، والمهارات الحرفية، والمعارف المتعلقة بالطبيعة والكون. يعتبر التراث المعنوي جزءًا حيويًا من الهوية الثقافية للمجتمعات، ويعكس قيمها ومعتقداتها.
آليات الحماية والصون
تختلف طرق الحفاظ على التراث المادي عن طرق الحفاظ على التراث المعنوي، نظرًا لاختلاف طبيعة كل منهما.
حماية التراث المحسوس
تشمل طرق الحفاظ على التراث المادي ما يلي:
- نشر الأبحاث والدراسات المتخصصة بالتراث المادي على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية.
- بذل الجهود لحماية التراث المادي وترميمه وفقًا للمعايير الدولية، مع إزالة أي إضافات حديثة قد تشوهه، وتقديم الدعم المالي والتقني اللازم.
- تسهيل الوصول إلى المواقع التراثية وتوفير معلومات وشروحات للزوار لفهم أهميتها التاريخية والثقافية.
- حفظ القطع الأثرية ودراستها من خلال إنشاء قواعد بيانات ومخازن متخصصة.
حماية التراث غير المحسوس
تعتبر اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي غير المادي لعام 2003 من أهم الوثائق الدولية التي تهدف إلى حماية التراث المعنوي. تحث الاتفاقية الدول الأعضاء على اتخاذ التدابير اللازمة لصون هذا التراث، ومن بين هذه التدابير:
- تشجيع البحوث والدراسات التي تهدف إلى حفظ التراث الثقافي غير المادي وتيسير نقله من خلال الوسائل المناسبة.
- اعتماد سياسات عامة تبرز دور التراث الثقافي غير المادي في المجتمع.
- اعتماد التدابير القانونية والإدارية والمالية التي تضمن إنشاء مؤسسات متخصصة لتوثيق وإدارة التراث الثقافي غير المادي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ” (صحيح البخاري). هذا الحديث يحث على الحفاظ على الحق ونشره، وهو ما ينطبق على الحفاظ على التراث الثقافي ونقله للأجيال القادمة.
نماذج للتراث المحسوس
تشمل الأمثلة على التراث الثقافي المادي:
- المباني التاريخية والأثرية مثل المساجد القديمة، القلاع، والقصور.
- القطع الأثرية المادية مثل التماثيل، الأدوات، والعملات.
- الإبداعات الفنية الملموسة مثل اللوحات والمنحوتات.
أمثلة للتراث غير المحسوس
تشمل الأمثلة على التراث المعنوي:
- التقاليد والتعابير الشفوية مثل الأمثال، والأساطير، والأغاني الشعبية، والقصائد.
- الفنون التمثيلية كالمسرح، والرقص الشعبي، والموسيقى التقليدية.
- الممارسات الاجتماعية مثل الاحتفالات الدينية والمناسبات الاجتماعية والعادات والطقوس.
- الحرف التقليدية والمهارات المتعلقة بها، مثل صناعة السجاد، والفخار، والأعمال الخشبية، والأزياء التقليدية.
قال تعالى: “لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا” (الأحزاب: 21). هذه الآية تحث على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما يشمل الحفاظ على القيم والعادات الحميدة التي جاء بها الإسلام.
خلاصة
يشكل التراث المادي والمعنوي هوية المجتمعات وثقافتها، وينبغي الاهتمام بحمايته وصونه. التراث المادي يتمثل في الآثار والمباني التاريخية، بينما يشمل التراث المعنوي التقاليد والعادات والفنون. يجب على المجتمعات والدول التعاون لحماية هذا الإرث الثقافي القيم ونقله إلى الأجيال القادمة.








