فهرس المحتويات
مقدمة
في الشريعة الإسلامية، هناك مفاهيم دقيقة تتعلق بتقييم الأفراد، خاصة فيما يتعلق بنقل الأخبار والروايات. من بين هذه المفاهيم التجريح والتزكية والنميمة. فهم هذه المفاهيم والتمييز بينها ضروري للحفاظ على الحقوق والعدالة في المجتمع.
تعريف التجريح والتزكية
التجريح والتزكية مصطلحان يستخدمان في علم الحديث لتقييم رواة الأحاديث النبوية.
التزكية: هي الإشارة إلى صفات حسنة في الراوي تجعله مقبول الرواية. الأصل في المسلم العدالة، ويُقبل منه ما لم يظهر ما يستدعي رد روايته أو التوقف فيها.
التجريح: هو ذكر صفات قادحة في الراوي تؤدي إلى رد روايته. هذا يعني أن الراوي ينتقل من كونه عادلاً في الأصل إلى كونه غير عادل بسبب أمر طارئ عليه، مثل الكذب أو النسيان الشديد أو الغفلة.
شروط التجريح والتزكية
وضع العلماء شروطًا وضوابطًا عديدة للتجريح والتزكية، وذلك لضمان العدالة وتجنب الظلم. من هذه الشروط:
- يجب أن يقتصر التجريح على ما يتعلق برواية الحديث فقط.
- يجب أن يذكر فقط ما يُرد به الحديث، دون الخوض في تفاصيل حياة الراوي السلبية.
- قد يزول سبب التجريح، وبالتالي تُقبل رواية الراوي بعد ذلك.
- قد يكون التجريح موجهاً لشيء معين، وبالتالي يُرد الحديث الذي يرويه الراوي في ذلك الشيء فقط، كما في حالة الراوي المبتدع الذي يدعو لبدعته، حيث تُرد الأحاديث التي يرويها فيما يخص بدعته، بشرط أن يكون عادلاً.
ما هي النميمة؟
النميمة: هي ذكرك أخاك بما يكره. هكذا عرفها النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-. وهي في الأصل محرمة بالإجماع، وقد تجب أو تباح لغرض صحيح لا يتوصل إليه إلا بها. وقد وردت نصوص شرعية كثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية تنهى عن النميمة وتحرمها وتبين سوء عاقبة من يفعل ذلك إذا لم يتب.
متى تجوز النميمة؟
ذكر العلماء ستة أسباب تجعل النميمة مباحة أو واجبة، وهي:
- المتظلم: أي من وقع عليه الظلم، فيجوز له الشكوى لمن يظن أنه قادر على أخذ حقه ممن ظلمه أو تخفيف ذلك الظلم عنه.
- الاستعانة على تغيير المنكر: ويكون ذلك بذكره لمن يظن أن بقدرته إزالته أو تخفيفه بقصد إزالة المنكر، وإلا فهي نميمة محرمة.
- الاستفتاء: بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان أو زوجي أو زوجتي أو غيره مما يحتاج له المفتي ليتصور المسألة بشكلها الصحيح.
- التحذير من الشر: ونصح الناس وتوضيح طرائق المكر والخداع التي تُستخدم، ومن هذه الأمور تجريح رواة الحديث والشهود والمصنفين والمتصدرين للإفتاء أو دعاة الفجور والمعاصي، فيجوز مثل ذلك إجماعاً، وكذلك من يَسأل أو يُسأل للزواج، والشرط في ذلك أن يقصد صاحبها النصيحة لوجه الله تعالى.
- المجاهر: كالمجاهر بالمعاصي والفسق والبدعة، وشَرَبَةِ الخمر، وتجار المخدرات، وناشري الرذيلة والفساد وغيرهم.
- التعريف: كالتعريف بلقب لا يُعرف صاحبه إلا به، أو يصعب تعريفه إلا به، بشرط التعريف لا الإساءة، ولكن يجتنبه ما استطاع لذلك.
الغاية من التجريح وعلاقته بالنميمة
الفرق بين التزكية، وهي ذكر الإيجابيات، وبين التجريح ضمن مجال مقيد لا ينفلت عنه وخاضع للبعد عن الإثم بشرط قصد بيان الحق لدفع باطل عن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبين النميمة التي في حقيقتها ذكر الصفات السيئة لشخص بدون هدف أو مقصد وهي محرمة بالإجماع ولا تباح إلا بقدر محدد وبضوابط محددة، وهذا القدر المحدد مرتبط بنية الإنسان بحيث تكون نيته لله لا بقصد التشهير.
وعلاقة التجريح بالنميمة هو أن التجريح أحد الأنواع الستة التي استثناها العلماء من النميمة، فيكون التجريح ظاهره استغابة إلا أنه استغابة مقيدة ضمن أولوية حفظ الحق على إظهار سيئة شخص؛ لأن ديننا يوجب إثبات الحق على أي كان بضوابطه الشرعية المنضبطة.
ولو تنازل الشرع عن هذا الاستثناء لضاعت السنة النبوية الشريفة، ولضاعت في المحاكم حقوق العباد، وانتشر الفساد، وانخدع الناس بأهل الفساد، والحكم العقلي والعادي والشرعي والضروري هو أنه لا بد من أن يكون هذا التجريح جائزاً وإلا انهدم الحق المُضاع الذي لا يوجد أداة لكشفه أو منعه أساساً.
أهمية علم التجريح والتزكية
إنّ حفظ الدين أسمى الغايات، وبه استمرار الدين في الجهات، وإقامة الدلائل والبراهين على صحة الآيات، ولا يكون ذلك بالأمنيات وإنما بحجج واضحات ومناهج منضبطة وقواعد مُنسَبِكة وأولويات مؤطرة بإطار الدين.
وذلك ليبقى حبل الله في الأرض متيناً بين واقعية شرعية لا تُغْفِل الزلات وتعالج طبائع النفس التي جبلها الله -تعالى- على النسيان وتُقيِّم الأمور وفق أفضل المناهج الإسلامية للوصول إلى أسمى الغايات وهي حفظ الدين.
ومن ذلك إنشاء علماء الإسلام لعلم التجريح والتزكية، وكذلك تبيينهم الأحكام الشرعية المتعلقة بالنميمة وما وضعته من ضوابط عميقة لحفظ الحقوق من الضياع سواء أكانت حقوق العباد أو حقوق رب العباد ومن ذلك حفظ الدين.
والتجريح والتزكية من باب علم مصطلح الحديث يُعرف به من تُقبل روايته ومن لا تقبل منه؛ لحفظ الدين، أما النميمة فهي من باب المعاصي والكبائر وإباحة بعض أنواعها هو ضرورة شرعية.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الغِيبةُ أَشَدُّ مِن الزِّنا”








