أساليب الترحيب بالزائر
الضيف هو الشخص الذي يأتي إلى بيتك آملاً في أن يجد الترحيب والتقدير، حتى تُقضى حاجته. وكما هو معروف، يُعتبر الضيف ضيف الرحمن، مما يعني ضرورة إكرامه استقباله بحفاوة وتوفير كل ما يحتاجه ليشعر بالراحة والأمان. يجب أن يشعر الضيف وكأنه فرد من العائلة، بحيث يكون الجميع متعاونين لراحته.
أول خطوات الترحيب بالضيف هي استقباله بابتسامة صادقة وإظهار الود والمحبة. يجب تجنب أي تعبيرات تدل على الضيق أو الانزعاج من زيارته، مهما كانت الظروف. فالضيف يستحق أن يُعامل بكرم ولطف في كل الأحوال، وأن يُرى منه كل ما هو جميل.
بالإضافة إلى ذلك، يجب تقديم أفضل ما لديك من طعام وشراب للضيف. لا تبخل عليه بأجود ما تملك، وقدم له أشهى الأطباق والمشروبات المتوفرة. وإذا كنت غير ميسور الحال، فقدم له ما هو موجود، ولا تخجل من ذلك. فقد روي أن رجلاً فقيراً دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقدم له خلاً، فمدحه النبي -عليه الصلاة والسلام-. بينما عندما فعل ذلك رجل غني، ذم النبي -عليه الصلاة والسلام- الخل. فالمهم هو نية المضيف وحال الضيف، وليس نوع الطعام. لذلك، يجب على المضيف أن يقدم أفضل ما عنده حتى يكون ممن يحبهم الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.
لا يقتصر الترحيب على الطعام والشراب فحسب، بل يجب أيضاً مؤانسته بالحديث الطيب والكلام اللطيف. ففي الماضي، كانت الأسفار طويلة وشاقة، وكان المسافر يحتاج إلى من يشاركه الحديث ويخفف عنه عناء الطريق. لذلك، يجب على المضيف أن يكون أنيساً لضيفه، وأن يشاركه أفكاره وآراءه، وأن يجعله يشعر بالراحة والاطمئنان.
الضيافة عند العرب قديماً
الكرم صفة مرتبطة بالعرب ارتباطاً وثيقاً. فعندما تذكر الصفات الحميدة للعرب، فإن الكرم يأتي في مقدمتها. وأشهر من عرف بالكرم هو حاتم الطائي، الذي أصبح مضرب المثل في الكرم والجود. فكان إكرام الضيف عند العرب عادة لا يمكن التخلي عنها، ومن يخالف ذلك يعتبر ذلك عاراً ومهانة له. وقد تبارى الشعراء في وصف الكرم والجود والسخاء، واعتبروا البخل عيباً كبيراً ينبذ صاحبه.
كان حاتم الطائي كريماً جداً، حتى أن قصص كرمه تناقلتها الأجيال. يُذكر أن امرأة جاءت إليه تشتكي من الجوع والفقر، فقال لها: ادخلي وائتي بأولادك. فتعجبت امرأته وقالت له: كيف تطعمهم وأطفالك قد ناموا من الجوع؟ فقال: والله لأشبعهم. فقام إلى فرسه فذبحها وأطعمهم جميعاً من لحمها. وهذا مثال بسيط على كرم العرب وإيثارهم للضيف على أنفسهم.
قيمة إكرام الضيف عند العرب عظيمة جداً، فالرجل الذي يكرم ضيفه إنما يكرم نفسه وعائلته وأصله ونسبه. وقد صدق الشاعر حاتم الطائي في قوله:
كَريمٌ لا أَبيتُ اللَيلَ جادٍ
أُعَدِّدُ بِالأَنامِلِ ما رُزيتُ
إِذا ما بِتُّ أَختِلُ عِرسَ جارِ
ليُخفِيَني الظَلامُ فَلا خَفيتُ
أَأَفضَحُ جارَتي وَأَخونُ جاري
مَعاذَ اللَهِ أَفعَلُ ما حَيِيتُ
حتى إن الرجل ليظلم نفسه في سبيل إكرام الضيف، وليس ذلك من عادات الجاهلية فقط، بل الكرم هو عادة من العادات التي بقيت حتى الآن، ويتفاوت الناس فيها حسب إيمانهم.
حقوق الضيف في الشريعة الإسلامية
للضيف حق عظيم في الشريعة الإسلامية. وقد يتساءل البعض: من هو أول نبي أكرم الضيف؟ والقرآن الكريم يجيب على هذا السؤال في سورة الذاريات في قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ}، فكان أول نبي يكرم الضيف هو إبراهيم عليه السلام. ومما يجدر الوقوف عليه في هذه القصة أن إبراهيم عليه السلام لم يسأل الضيف من أنت ولم يسأله عن حاجته، بل أكرمه بالطعام قبل أي شيء ثم علم أنهم ملائكة لما لم يأكلوا من طعامه.
حضّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمته على إكرام الضيف، وقد أخبر في غير موضع أن من كان يؤمن بالله تعالى وباليوم الآخر فعليه أن يكوم ضيفه، وبذلك يكون من بخل عن إكرام الضيف قد أصابه نقص في إيمانه حتى لم يعمل بما أمره به سيد الخلق والعالمين -صلى الله عليه وسلم-، ولا يجهل إنسان فضل إكرام الضيف من حيث نشر المحبة بين الناس والتعاون بين أبناء المجتمع، وغير ذلك مما يحسن بالمسلم أن يتصف فيه من الصفات.
إكرام الضيف صفة حسنة والإسلام هو دين رحيم يحض على نشر الخير بين الناس، وليس هناك خير أعظم من أن يكفل الرجل أخاه حتى يظن الأخير أنه من روحه ودمه، فيكبر بذلك المجتمع ويتماسك وتتحقق الصفات الأخلاقية الحسنة التي حض عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتي لا بدّ على كل إنسان الالتزام بها من أجل الوصول إلى قمم الدنيا والآخرة.









الضيافة والتآزر المجتمعي
عندما يستقبل الضيف بوجه بشوش ولسان طيب، فإن ذلك يعزز قيمة المضيف في نظره. وقد يكون الضيف مستعداً لتقديم أي مساعدة أو دعم للمضيف في المستقبل، وهذا يعكس قوة الروابط الاجتماعية والتكافل بين أفراد المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، تترك الهدايا أثراً طيباً في نفس المتلقي، وأعظم هدية يمكن تقديمها للضيف هي إكرامه نفسياً وجسدياً. كما أن المضيف يكسب سمعة حسنة في الدنيا والآخرة، حيث يحظى بتقدير الناس في الدنيا وينال الثواب العظيم من الله تعالى في الآخرة.
من أهم نتائج إكرام الضيف هو كسب محبة الناس. فالقلوب تميل إلى من يحسن إليها، ويمكن كسبها بالكلمة الطيبة وحسن الاستقبال. كما أن الرجل الكريم يحظى بمكانة اجتماعية مرموقة، ويسعى الجميع إلى مجالسته والاستفادة من خبرته ورأيه. أما الرجل البخيل، فإن الناس تنفر منه وتبتعد عن مجلسه، فالشح صفة مذمومة في كل الأوقات.
الرجل الذي يسعى إلى إرضاء ضيوفه بكل ما يستطيع يكسب احترام الجميع. وقد يخلط البعض بين الكرم والإسراف، ولكن الإسلام يرفض التبذير ويدعو إلى الاعتدال في كل شيء. يجب على المضيف أن يقدم الطعام بكمية مناسبة تكفي الضيوف، ولا يسرف في ذلك حتى لا يذهب الطعام إلى القمامة. وأفضل الولائم هي التي يدعى إليها الفقراء والأغنياء على حد سواء، ولا تقتصر الدعوة على الأغنياء فقط.